الناصرة – زهير أندراوس:
ممّا لا شكّ فيه أنّ الأحداث الأخيرة، أوْ الهبّة الشعبيّة الفلسطينيّة، فاجأت الأجهزة الأمنيّة الإسرائيليّة، التي لم تتوقّع أنْ تندلع بهذه الصورة، وفي هذا التوقيت بالذات، والأهّم من هذا وذاك، أنّ السكين الفلسطينيّة أدخلت دولةً كاملةً في حالة من الرعب، الهلع والهستيريا، وتباكى قادة المخابرات الإسرائيليّة على الجبهة الداخليّة التي تحوّلت إلى جبهة حربٍ بكلّ ما تحمل هذه الكلمة من معانٍ، ولكنّهم شدّدّوا على أنّ ما يُطلقون عليها المناعة الوطنيّة الإسرائيليّة باتت في خبر كان، مُعتبرين أنّ الجبهة الداخليّة هي الخلية الأضعف في المجتمع الإسرائيليّ، ويكفي في هذه العُجالة الإشارة إلى أنّه بحسب التقارير الرسميّة الإسرائيليّة، فإنّ نسبة المُسافرين في القطارات وفي الحافلات العامّة انخفض بنسبة خمسين بالمائة، لأنّ الإسرائيليين، باتوا يخشون من صعود الفلسطينيّ إلى الحافلة أوْ القطار لتنفيذ عملية.
علاوة على ذلك، تُشير المصادر في تل أبيب، إلى أنّ الحركة التجاريّة توقّفت تقريبًا، وباتت المُجمعات التجاريّة داخل ما يُطلق عليه الخّط الأخضر فارغةً من الزبائن، الأمر الذي يُلقي بظلاله السلبيّة أيضًا على الاقتصاد الإسرائيليّ. وبما أنّ الإسرائيليين، قيادةً وشعبًا، يعتقدون بأنّ المجتمع الفلسطينيّ هو مجتمع متخلّف، شوفينيّ وذكوريّ، لا وجود أيّ وظيفة للمرأة فيه، فقد كانت المفاجأة أكبر بكثير، عندما تبينّ للإسرائيليين، أنّ الفتيات الفلسطينيات يُشاركن بشكلٍ فعالٍ في الهبّة الشعبيّة الأخيرة، وتقُمن بعمليات فدائيّة، مع لمهن التّام بأنّ الطريق إلى الشهادة هو الحلّ.
المُحلل الإسرائيليّ، يوآف شاحام من موقع (المصدر) الإسرائيليّ، الذي يُحاول تجميل صورة إسرائيل السلبيّة دون نجاح يُذكر، قال في مقالٍ نشره اليوم الأحد إنّه في تقرير بثّه هذا الأسبوع من مخيّم شعفاط للاجئين في القدس، أكّد المراسل الإسرائيلي أوهاد حمو من القناة الثانية في التلفزيون الإسرائيليّ على أنّ ما يلفت النظر هو العدد الاستثنائي للنساء المشاركات في الاحتجاجات والمشاركات بشكل فاعل في المواجهات، ملقيات الحجارة، واللواتي يتصدرن الجبهة، على حدّ تعبيره.
وقد وقف حمو على مميّزات النساء اللواتي يخاطرن بأجسادهنّ وبحياتهم ويشاركن بشكل فاعل في المواجهات مع القوات الإسرائيلية: ذوات وعي سياسي منفتح، عازبات، يتمسكن برأيهن. يرتدي بعضهنّ الحجاب وأخريات لسن متديّنات جدّا. بالإضافة إلى ذلك، هناك من يذكّر بدور النساء “المرابطات” اللواتي يتواجدن حول المسجد الأقصى منذ سنوات. ورغم أنّ الحضور الرمزي للنساء تلخّص بصرخات “الله أكبر” تجاه اليهود الذين دخلوا إلى منطقة الحرم القدسي الشريف، فإنّ المشاعر القوية التي يثيرها المسجد الأقصى في أوساط الفلسطينيين جعلت من هؤلاء النساء – ومعظمهنّ كبار في السنّ – رمزًا للصراع.
وتابع المُحلل الإسرائيليّ قائلاً إنّ هناك مَنْ يعتقد أنّ عمر ظاهرة المقاومة النسائية هو قديم كعمر المقاومة الفلسطينية بأسرها، ويذكرون دلال المغربي، ليلى خالد، تغريد البطمة وشادية أبو غزالة كنماذج لظاهرة كانت موجودة طوال سنوات الكفاح الفلسطيني من أجل الاستقلال. ولكن، استدرك المُحلل الإسرائيليّ قائلاً إنّه في سنوات مضت، وخصوصًا في فترة الانتفاضة الثانية، انتفاضة الأقصى، لم يكن دور النساء مركزيًّا كما يظهر في الأسابيع الأخيرة، وذلك على الرغم من أنّ النساء قد شاركن في تنفيذ العمليات ضدّ اليهود، ولكن من وراء كل امرأة قتلت يهوديًا وقف رجل أرسلها إلى هناك، وخصوصًا أولئك الذين استغلوا ضعفهن واستغلّوا حقيقة أن القوى الأمنية الإسرائيلية لن تشكّ بالمرأة، على حدّ زعمه.
ولفت في سياق تحليله إلى أنّه في حالات عديدة لاحظت أجهزة الاستخبارات الإسرائيلية أنّ النساء اللواتي خرجن لتنفيذ عمليات انتحارية قمنَ بذلك في أعقاب اكتئاب، قلب مكسور، أوْ رغبة بالتكفير عن عمل قمن به مسّ بكرامة أسرهنّ. علاوة على ذلك، أشار إلى أنّ آمنة منى كانت استثنائية في هذا السياق، والتي في الواقع قادت خلية اختطفت وقتلت فتى إسرائيليًا، وتمّت محاكمتها بالسجن مدى الحياة ولكنّ تم إطلاق سراحها في صفقة غلعاد شاليط. وأوضح أيضًا أنّه ليس هناك شكّ بين المحللين الفلسطينيين والإسرائيليين للتأثير المحسوس للربيع العربيّ على نسبة مشاركة النساء المرتفعة في الاحتجاجات. لقد قدّمت النماذج التي جاءت من دول عربية مجاورة، وخصوصًا من مصر، لنساء قويات وعنيدات يقدنَ الاحتجاجات دون خوف، إلهاما للنساء الفلسطينيات.
وعلى أية حال، خلُص المُحلل الإسرائيليّ إلى القول فإنّ الأعين الإسرائيلية مفتوحة على هذه الظاهرة. وإذا كان الرجال الفلسطينيون في الماضي قد استخدموا النساء من أجل إرباك العدوّ، فأصبح الإسرائيليون يشتبهون اليوم بالنساء الفلسطينيات تمامًا كما يشتبهون بالرجال. من ناحيتها أشارت صحيفة “يديعوت احرنوت” العبرية، إلى مشاركة الفلسطينيات في المواجهات المندلعة مع الاحتلال خلال الأيام الماضية. وقالت الصحيفة: الكثير من عيون النساء تحدق من وراء الكوفيات الفلسطينية في نقاط الاحتكاك خلال أسابيع الاشتباكات الأخيرة، هذا بخلاف الانتفاضتين الأولى والثانية، التي لعب فيها الرجال دورًا أساسيًا في التظاهرات والمواجهات العنيفة التي دارت مع قوات الاحتلال.
وتابعت: جزءٌ منهن ملثمات، بعضهن ترتدين ملابس عصرية، وأخريات ترتدين لباسًا طويلًا ومغلقًا ووشاحًا أخضر، بحيث لا يدع مجالًا للشك لأي فصيل ينتمين، هؤلاء هن الطالبات الفلسطينيات الجدد، نساء قويات الإرادة، وغير مستعدات لترك منصة الانتفاضة الشعبية للرجال فقط، إنهن يخرجن لنقاط التماس ويواجهن الجيش، يلقين الحجارة ضد قوات الجيش ورجال الأمن الذين يقفون أمامهن في التظاهرات. ونقلت عن إحدى الفتيات المشاركات قولها إنّه من الجيد أنّ الفتيات قد دخلن لهذه الدائرة، أنا سعيدة للغاية، مضيفة انتهت أيام جلوس النساء في المنزل ووقوفهن في المطبخ، هذه الأيام تثبت أننا قادرات على فعل ما يفعله الرجال، بحسب تعبيرها.
عن "الرأي اليوم" الالكترونية
























