شبكة نوى، فلسطينيات
اليوم السبت 12 سبتمبر 2026م06:01 بتوقيت القدس

الشهيد الحي!

18 اكتوبر 2015 - 12:31
وفاء عاروري
شبكة نوى، فلسطينيات:

لطالما سميت والدي الذي نجى من الموت بأعجوبة، تحت تعذيب جنود الاحتلال بهذا الاسم، كنت دائما وفي كل مرة يروي لنا حكايته المؤلمة، والتي خسَّرته بضعة سنتيمترات من مساحة رأسه، ألقبه "بالشهيد الحي"، حيث أعلنت الصحف المحلية عن استشهاده فعلا بعد 23 ساعة من دخوله غرفة العمليات المركزة، بمستشفى تلهشومير الاسرائيلي عام 1988م.

والدي الذي عاش شهورا طويلة على شفا حفرة من الموت، التقطته الحياة مرة أخرى في أنفاسه الأخيرة، لتكتب له عمرا جديدا يكون فيه أبا لتسعة أبناء، أكبرهم كان قد تلفظ باسمه مرات عديدة حين كان يصحو من غيبوبته في المشفى اللعين!

معجزة يصعب فهمها لكل من لم يعشها أو يجربها، وتفاصيل أخرى كثيرة لا أدري لم أتلذذ اليوم بسماعها على لسان أبي "البطل"، الذي انتصر على جبروت المحتل مرتين!

الاعلان عن اسم شهيد جديد ارتقى على حاجز قلنديا العسكري اليوم، ذكرني فورا بحادثة أبي هذه، فقد نشرت وسائل الاعلام المحلية، أن من أعدمه جنود الاحتلال هو الأسير المحرر أيوب مازن من مخيم قلنديا الصامد، في حين أن من استشهد فعلا هو ابن بلدة قطنة الشهيد عمر الفقيه.

ليصبح أيوب بذلك "الشهيد الحي"، الذي ربما هو نفسه تفاجئ بخبر استشهاده عبر مكالمة هاتفه إياها أحد الأصدقاء!

حاولت كثيرا أن أتخيل كيف تلقى الشاب نبأ استشهاده هذا؟! هل ضحك كثيرا واعتقد أن صديقا له يمازحه؟! أم ذهب مسرعا ليطمئن والدته العجوز أن ابنها لم يمت؟! هل لعن وكالات الأنباء والصحفيين ألف مرة؟!  أم راح إلى صفحته على الفيسبوك ونشر بيانا يؤكد فيه بأنه حي يرزق؟! وينعى وسائل الاعلام المرئية والمسموعة والمكتوبة!؟! سيما مواقع التواصل الاجتماعي بلا شك!؟

أفكر أيضا، كيف خطر لصديقه هذا أن يهاتفه؟! مع أنه يعلم أن أيوب استشهد؟! هل كان يعتقد أن صديقه سيجيبه من سكرات موته؟! أم أن عهد الأصدقاء ألهمه بأن حياة صاحبه لم تنته بعد؟!

أسئلة كثيرة جدا حاولت عبثا أن أضع لها جوابا!

لا أجرؤ على التنصل من مسؤولية عشرات الأخطاء الصحفية التي نقع فيها يوميا، ولا أريد أساسا الخوض في حديث مبتذل حول انعدام السبق الصحفي في أخبار الجرحى والشهداء، والكشف عن اسمائهم.

فالنقاش في هذا الأمر مفروغ منه تماما، والقواعد واضحة لطالب مدرسة يكتب موضوع انشاء عن أعداد شهداء أكتوبر واسمائهم، فكيف اذا ما كان لصحفي يجلس أمام حاسوبه ليبث أخبار شعب كامل؟!

شيء واحد فقط أتمناه، على كل الزملاء في غرف التحرير، لا تجعلوا من كل شباب البلد "شهداء أحياء".

والله ولي التوفيق..

كاريكاتـــــير