الحائرون كثر بشأن الحراك الشبابي والظواهر الجديدة المرافقة له؛ ومن بينها المشاركة النوعية للشابات التي جعلت منهن أحد الفاعلين واللاعبين الرئيسيين في تفاصيلها.
أكثر الحائرين بشأنه هم الأقرب، مكانياً وعضوياً، نحن وهم، الفلسطينيون والإسرائيليون، بسبب فرضه مشهداً جديداً وحالة وطنية وسياسية ونقلها إلى الزاوية المقابلة، تعادل مئة وثمانون درجة.
مشاركة الشابات النوعية في فعاليات الهبّة الجماهيرية تسجل مآثر جديدة للحركة النسائية الفلسطينية، على اعتبار أنها مشاركة ليست جديدة، والظاهرة ليست يتيمة، بل لها ما سبقها وما سيليها، لكونها امتداداً طبيعياً للنضال النسوي المتواصل، نضال الأمهات والجدات منذ مطلع القرن الماضي في سبيل التحرر الوطني والاجتماعي.
مشاركة الشابات أحد الألغاز المميزة للحراك التي أسالت حبرنا وحبر الاحتلال.
لقد استأثرت صبايا الهبة بالاهتمام المحلي وفتحت نقاشات تنطلق من زوايا مختلفة؛ على الصعيد الاجتماعي عاكسة المواقف المتعارضة السائدة في المجتمع حول المرأة وموقعها، فالصورة مميزة تبتعد تفاصيلها عن التنميط المعهود، الفتيات في الشارع كما هن؛ دون محاولات لمجاملة الفكر التقليدي أو التكيف معه ليقبلهن كما هن.
سأتذكر أن بنات جيلي جاملن في سبيل تشريع نضالهن الاجتماعي بنضالهن الوطني، الاستشهاد والإبعاد والاعتقال، كانت القناة التي مهدت الحصول على بعض الامتيازات عن باقي الشابات، الخروج من البيت للاجتماع والتأخر ليلا، وانتزاع حق اختيار الأزواج المناضلين خارج الطبقية والنسق الاجتماعي السائد، وما كان لهن انتزاع حق المشاركة في قيادة الأحزاب والمجتمع.. قمعنا ذواتنا الأنثوية على اعتبار ثانويتها في سبيل ما اعتبرناه رئيسياً وصورة جديدة نقدم أنفسنا من خلالها، وعليه ربما ساهمنا في تنميط أنفسنا كمناضلات بصناعة صورة ألفناها وارتحنا لها.
إدراكاً بدقة اللحظة، لا بد من الاقتراب من الحالة التي مثلها التموضع الجديد للشابات بمسؤولية، لأنها لحظة لها خطابها وأقوالها، ومحطة تغلق صفحة وتوشك على فتح صفحة جديدة، لها تقييم واستخلاص، يطفو على سطحها قيم غير مقطوعة الصلة بزخم المرحلة السابقة، التي تميزت بطرح القضايا الحقوقية وأصبحت مصطلحاتها جزءاً من ثقافة الخطاب الجمعي.
من جهة أخرى، زخم المشاركة ونوعيتها وشكلها لها أسرارها التي لا بد من فتح العيون عليها، لها ما سبقها، من تمارين متراكمة للمشاركة النسائية في المواجهات النوعية المتقطعة في السنوات الماضية، مدن المقاومة، الحراكات المستمرة على الحواجز، والنماذج النسوية الشجاعة في النبي صالح وغيرها من بؤر المقاومة.
لقد تكيفت الشابات مع عنف الاحتلال وبطشه، على الحاجز وفي دور العبادة وعلى المعابر وتخوم المستوطنات والجدار.
ومن جهة ثالثة، لا بد من الوقوف أمام مشاركة الشابات في مواجهة الحالة الداخلية والتمرد عليها، حيث تم تنظيم عديد المظاهرات الاحتجاجية على السياسات الداخلية، ما شكلت تمارين تمهيدية خدمت تصليب بنية ومنظومة ومبنى الشابات في الميادين المختلفة.
من مسافة الصفر أطل على الحقائق، فتياتنا لسن يتيمات، بل امتداد لنضالات الأمهات والجدات وأبعد، بمواصفات جديدة، إنهن بنات القضية في عام 2015، إنهن الفتيات القادمات من جيل التسعينيات مع مزيد من التعليم والحرية وتوكيد الذات والاستقلالية.
فتيات جميلات يتلثمن بالكوفيات الحمراء والسمراء، يحملن المقاليع ويصوبن، يقبضن على الحجارة بأيدي تطل منها الأظافر الملونة، يأخذن مواقعهن في المقاومة باعتزاز وتحدٍ للجنود المدججين، ويتركن شعورهن للهواء.
هل يهمنا شكل الشابات أم التأكيد على صوابية توجههن ووجهتهن في ظل الواقع وضرورات توسيع وتعميق المواجهة وانتشارها.
هذا هو السؤال الركيزة الذي علينا الإجابة عنه، بهدف إسناد مشاركة الفتيات وإعطائهن الشرعية كما اكتسبناها قبلهن في ظل واقع ومواقف شبيهة ومتطابقة تماما.
لقد واجهنا المواقف المؤيدة والمعارضة لمشاركة الفتيات في النضال الوطني تحت حجة الحفاظ على العِرض وخوفاً على البنات من انتهاكات الاحتلال وتحرشاته.. قاطعين الصلة بمفهومنا الأصيل: الأرض هي العرض.
الاحتلال يستغل الحالة الاجتماعية لصالحه، قمع زخم نصف الشعب وزجه في المواجهة، وهو لا يحتاج لفرصة من أجل مواصلة استغلاله للحالة، سواء للفتيات اللواتي يضعن غطاء الرأس أو اللواتي لا يضعنه.
الشابات مستهدفات بالنسبة إليه بغض النظر عن مظهرهن، في إطار قمع جميع أعمال المقاومة.
لننظر إلى مشاركة الفتيات والنساء بمنظار واحد، ولنتعامل مع قمع الاحتلال وانتهاكاته الخاصة للفتيات ضمن معايير موحدة.. ولنمعن التدقيق في انتهاكاته الممارسة بحق المرابطات المنقبات وتحرشه بهن بذات المعيار الذي يتعامل به مع غيرهن من الفتيات الكاشفات لشعورهن، لحقيقة أنها انتهاكات متساوية في هدفها ومستوى شدتها، بل ربما تفتح المنقبة شهيته للقمع أكثر؛ لأنه يعلم بأنه يوجعنا أكثر لدى إجبارها على خلع نقابها!
لنترك صبايا الانتفاضة لمهمتهن السامية، وعدم تشتيت الجهد والتركيز.
علينا النظر باحترام إلى تنوعنا واختلافاتنا والإقرار بها كأحد المسلمات الإيجابية للنسيج الاجتماعي الفلسطيني، وإنْ لم تقنعنا الحقيقة الأولى، نستعين بالإقرار والتسليم بالحرية الشخصية المكفولة وصونها من الشطب والهيمنة والقمع، لأن الأصل أننا أحرار في طرق حياتنا ومظهرنا ومعتقداتنا، كشعب متنوع القيم والتوجهات والخصوصيات، وينتظر أن يتصالح مع تعدديته ويتعايش معها ومع حقيقة أنها ستتزايد يوماً بعد يوم.
























