قرائي الأعزاء واحداً واحداً، لا تتخيلوا حجم اشتياقي للكتابة، مع أنني اعترفت بالكتابة فقط بعد أن بلغت الأربعين، اعترفت بها كإنتاج معرفي يبني الحياة، قبل ذلك كنت أراها ترفاً وجمالاً وفضاوة بال.
المهم: اعتذر عن غيابي اذا افتقدني أحد، وكل ما في الأمر أن قلبي الأهبل استهلك نفسه في الانصياع للصدق ولخط الإنتاج المعنوي الذي علمني إياه الأساتذة السوفييت، وأصيب بتجلط خفيف إثر مزحة ثقيلة بين شراييني على رأي محمد مرار، أو أنني بالغت في استخدام قلبي الصغير في الكتابة على رأي صديقي الكاتب خالد عيسى، أو أن المسألة كما عزيت نفسي أنا وصديقي زياد خداش أننا نكتب بماء الشرايين الأبيض .. انتبهوا ليس بالدم، بل بسائل ابيض شفاف تشرب منه الشرايين كي تظل تعمل.
المهم ثانياً: سأكتب باختصار عن الموت القصير الذي عشته لمدة سبع دقائق، هي المسافة التي ستقطعها سيارة الإسعاف بين مستشفى الهلال في البيرة ووحدة القلب في مسشتفى رام الله، معي حبيبتي مرام ومسعف متدرب يحمل أسطوانة أكسجين.
انقذتني من الجلطة الحادة ، ثلاث حبات أسبرين طحنها الطبيب وأعطاني اياها وقال لي فجأة: تحمل المفاجآة ولا تخف مثل الآخرين وتتسبب لنفسك بجلطة ثانية. فوافقت على العرض ونمت على الحمالة النحيلة، ووضعت يدي على صدري بشكل صليب ورأيت الناس مقلوبين في ممرات المستشفى وهم يدققون في وجهي عن حرف أو همزة أو خطأ مطبعي.
سبع دقائق باردة شعرت فيها ببرد شديد، وكنت أشد يداي على صدري كي أشعر بدفء اكثر، ونوم خفيف يتلاعب معي منذ يومين جراء النوبة القلبية، وفي تلك اللحظة تعرفت على الموت، كان نسخة خفيفة وسوريالية، يشبه معنى توصلت له مع صديقي الراحل حسين البرغوثي، واتفقنا آنذاك وفي عز موجة كآبة أن لا نحب الموت بل أن نتلاعب معه كأبطال وأدوار على خشبة مسرح.
المهم ثالثاً: رأيتم أن المرض يفشل الكتابة، لم أعد اقوى على الكتابة السريعة، ... كنت أتمدد على الحمالة وأغفوا إغفاءات بيضاء ارى نفسي فيها ألعب بالتراب والعشب والطين على تلة بعيدة، لا بشر قريبين عليها ولا أحد يلعب معي، وخلفي صوت يناديني من جبل مجاور عليه غابة صغيرة، يناديني مثل أم ما: "يلا روّح.. بكفي لعب".
كنت أصحوا وأرى مرام متماسكة وقوية وأسعد بها، واسمع المسعف المتدرب وهو يمد يده ليعدل دخول الأكسجين الى صدري، وأغفوا وأراني ببنطلوني الجينز الذي أحبه وقميصى الأزرق، مستحماً ومعطراً وبدون ساعتي التي أحرص على لبسها، تاركاً هاتفي الخليوي لمصير مجهول، نائماً على حمالة لا تتسع لجسدي، وأضم يدي كصليب على صدري وأسمع امي تنادي من جبل مجاور: كفى لعباً .. عد إلى البيت.
هذا هو موتي الذي عشته بعدما تلاعبنا في بعضنا البعض ومضى.
المهم رابعاً: أعود اليوم وأطلب أن يسامحني كل ما خاف عليّ، رأيتكم ورأيتكن كلكم من سرير العناية المكثفة، رأيت حبكم لي وخوفكم عليّ يا رفاقي ورفيقاتي، قرأت رسائلكم الصادقة، ومقالاتكم وتلويحاتكم وهداياكم وعدت الى الحياة باذن من ربي صديقي وحبيبي وبقوة حبي لكم وثقتي بمحبتكم لي.
انتهى البرد، وسأعود لألعب بالتراب والطين والعشب، ولن أسمع نصائح من قبيل: "لا تجهد قلبك".. وفرحان بانفعالات الشباب والصبايا المقاتلين، خائف على بلدي وخجلان من أسرتي ومن أخي أبو علاء أنني غلبتهم بمرضي، سأعود لطلابي في الجامعة قريباً، أدرسهم وأحبهم بلا عقد، سأعود للأبحاث والسياسات في مركز تطوير الإعلام، لكمبيوتري في قسم التحرير في صحيفة الحياة الجديدة، لأخوتي الحقيقيين هناك، لموقع زمن برس، للنقابة ومكتب المؤسسات والمنظمات الأهلية، للشوارع والمقاهي والمدن ولقرائي وكل من وثقوا في كتابتي .. ساظل ألعب إلى أن يناديني الله أو أمي كي أعود إلى البيت.
























