غزة- خاص نوى- ميرفت ابو جامع
"خروف.. عصافير ملونة، زي مدرسي ، مكتب، عود، خزانة، سرير، ميكروفون، سبورة، دراجة، ...." أحلام تبدو بسيطة جدًا، لكنها استعصت على أطفال غزة، وبات تحقيقها، درب من المستحيل، حيث تعاظمت أوضاع الفقراء، الذين يتزايد عددهم كل حين.
هذه الأحلام التقطها سعيد قديح طالب في قسم الصحافة والإعلام بالجامعة الإسلامية، وأعطى كل طفل "بطاقة" حلم، ثم حول حلمه واقعًا.
يقول سعيد" كنت أمازح عدد من الأطفال في أحد أحياء غزة، أثناء عودتهم من المدرسة: شو أحلامكم؟، "تخيلت أن اسمع أحلام خيالية، كما أحلام الأطفال الذين نراهم في المسلسلات الكارتونية، حتى صدمني حلمهم الصغير:" كورة" تفاعلت معهم، واشتريت على الفور لهم كورة، وقلت لهم: تفضلوا هذا حلمكم!، انطلقوا يتقاذفونها في فرحٍ كبير.
أصوات الأطفال وضحكتاهم هزت في قديح الإنسان، واستفزت الأسئلة، "لا يلزمنا الكثير حتى نسعد هؤلاء الأطفال إذًا؟!"، حتى فكر وبحث عن طريقة لتحقيق أحلام أطفال آخرين".
دراجة هوائية
يقطع نائل قديح، من خزاعة، في كل صباح مسافة طويلة عبر طرق رملية تحت اشعة الشمس للوصول الى مدرسته، يلتقي نائل في طريقه بأولاد الجيران يقودون دراجاتهم، ينظر إليهم بعيون دامعة، فهو ابن الشهيد الذي ارتقى بالعدوان الأخير، يقول سعيد صاحب المبادرة" كتب نائل حلمه على ورقة، ثم أرسلها للمبادرة، فأصبح حلمه حقيقة لم يصدقها، يضيف" انفجر بالفرح والابتسام، واحتضن دراجته بقوة، كصديق عزيز كان يفتقده".
عصافير ملونة
تعرضت مزرعة والد رامي، 8 أعوام، ويسكن مخيم خان يونس للاجئين في قطاع غزة، و يربي فيها العصافير للقصف خلال عدوان 2014، ففقدّ بيتهم بهجته الذي ألفها في ضجيج المخيم، فضاع الرزق الذي كان يوفره والده من بيع العصافير، والصوت الجميل والألوان التي كان يتركها في نفسية الصغير رامي. حتى تحقق له حلمه بـ"قفص من العصافير يربيها ويعتني بها" بعد اشتراكه في مبادرة "بطاقة حلم".
يمتلك سعيد حسابات عدة عبر مواقع التواصل الاجتماعي، وهو ناشط عليها، ولديه 200 ألف متابع، فكر في استثمار هذا العدد من اجل دعم مبادرته" بطاقة حلم"، وأطلق لها صفحة على الفيسبوك((Heart to Heart) .
" نختار الأطفال من المخيمات، الأكثر فقرا ولديهم صعوبات اقتصادية في تحقيق أحلامهم، أو من خلال أصدقاء، نعطي كل طفل "بطاقة حلم" يسجل فيها اسمه وحلمه، واجهتنا أحلام مؤثرة جدا، ( طفل يحلم أن يزور السوق، وآخر في مسبح صغير، وطاولة،و...) حققنا 30 حلم لـ 30 طفل من مختلف القطاع المليء بالأحلام والاحتياجات، في أقل من أسبوعين".
الطفلة سندس قويدر، 10 أعوام، مصابة بضمورٍ في المخ واعاقةٍ حركية منذ الولادة، كان حلم والدها كرسي متحرك خاص يناسب حالتها. يريحهم من عناء حملها ونقلها لقضاء حاجتها او للعيادة القريبة، وتسهيل حركتها داخل المنزل، حتى غدا حلمها المكتوب على ورقة، حقيقة، أدخلت الفرح الى قلبها وقلوب من حولها.
يقول والد سندس محمد قويدر،29 عامًا، ويسكن أحد احياء مدينة غزة،" من سنوات نبحث عن كرسي متحرك لطفلتي، نواجه مشاكل في حملها في البيت، فحركتها تمثل 30% من جهدها، بينما الاعتماد الأكبر في حملها علينا، تقدمنا للشؤون الاجتماعية بطلب كرسي متحرك، كانوا يتعللون ما في دعم، حتى تعرفنا على المبادرة من خلال الانترنت، وفعلا تحقق الحلم" سندس اليوم أكثر سعادة، وخف عبء نقلها علينا، بل بإمكانها أن ترى الشارع الذي حرمت منه، وتتحرك بحرية".
كل حلم خلفه حكاية، من الوجع والألم، يتألم الأطفال وحدهم في غزة بلا صوت، أحلام الفقراء لا يسمعها إلا هم، وللأغنياء شاشات عرض يعرضونها او أفلام خيال تمنح لهم الميكروفونات.
حلم بسيط وغريب نوعا ما، ولكنه يعكس حاجة، الطفل محمد لمن يسمعه، كي ينطلق أمام جمهور يصفق بحرارة لموهبته، أكبر من أصابع والديه.
الطفل محمد، يحب القاء الشعر كثيرًا، إلا انه ملّ من تكراره امام امه وابيه، وكان حلمه ان إلقاء الشعر أمام جمهور كبير، وان يمسك ميكروفونًا ويلقيه، وكان له ذلك يقول سعيد" تعرفنا بالصدفة على حلم محمد، وحجزنا له قاعة على شاطئ البحر، وألقى مجموعةً رائعة من القصائدِ، أمام حشدٍ من الأصدقاء والمعارف، واستطعنا ان نحقق حلمه، في أن يلقي الشعر أمام الناس، بعدما ملَّ من تكراره لأهله، وأعطينا له فرصًا للمشاركة في مناسباتٍ قادمة"
الطفل، عبد الرازق دهليز ، من رفح، جنوب قطاع غزة، كان حلمه ان يزور السوق يشتري حاجات البيت لأسرته الفقيرة، هو ابن عاطل عن العمل، منذ 4 سنوات لم يزر والده السوق، كان حلمه ان يشتري من السوق الخضار والفواكه وحاجات لأسرته، تفتقدها منذ وقت طويل، وتحقق له ذلك.
يعاني سكان قطاع غزة، البالغ عددهم 1,8 مليون نسمة من اوضاع اقتصادية صعبة جدا بسبب الحصار الاسرائيلي، والدمار الذي سببته الحرب الاسرائيلية الثالثة، 2014، خلال ست سنوات، فيما تسير عملية اعادة الاعمار ببطء.
ينشط شباب وشابات من قطاع غزة، في تنفيذ مبادرات فردية، ولا تتبع لمؤسسات يقدمون الدعم للفئات المحتاجة، في الازمات في فصل الشتاء، والأعياد، وغيرها، وبعضها لا يرتبط بتوقيت محدد، لإدخال الفرح والسرور على هذه الأسر.
" كم سيلزمنا لتحقيق أحلام الأطفال؟! يعيد سعيد قديح، طرح السؤال مرة أخرى، فهو لا يملك فانوسًا سحريًا، ولا يحتاج الأمر لذلك، ولكنه هذه المرة يوجهه للمؤسسات التي تُعنى بقضايا الطفولة، وتصرف الميزانيات الكبيرة على الترفيه، بأن تسمع لأحلام الاطفال، وتلبي نداءها البسيط جدًأ.
























