شبكة نوى، فلسطينيات
اليوم السبت 12 سبتمبر 2026م16:50 بتوقيت القدس

سيناريوهات انتفاضة بوجود جيش المستوطنين

06 اكتوبر 2015 - 12:54
د.احمد جميل عزام
شبكة نوى، فلسطينيات:

يبدو أن تجربة الانتفاضة (انتفاضة العام 1987) كانت من القوة و"النجاح" إلى درجة أنّ العالم يسأل عند كل حدث فلسطيني، هل تقوم انتفاضة جديدة؟ ويجري التساؤل فلسطينياً وعربياً كما لو كان الكل "ينتظر" ويتوق لانتفاضة جديدة؛ هل تقع الانتفاضة الثالثة (على اعتبار أنّ انتفاضة الاقصى العام 2000 هي الثانية)؟ ويجري السؤال من دون الأخذ بالاعتبار تبيانات المشهد، خصوصاً متغيرين رئيسيين: أولهما، تشكل قوات وأطر سياسية للمستوطنين اليهود تكاد تصنع منهم لاعبا مستقلا نسبياً في المشهد، بجانب جيش الاحتلال والفلسطينيين. يضاف لذلك أنّ فقدان البوصلة والتخبط في القوى السياسية الفلسطينية المنظمة غير مسبوقين في درجتهما، من دون أن يعني هذا عدم وجود قدرة فلسطينية على الدفاع، بل والهجوم.

ما تشهده، هذه الأيام، القدس وباقي الأراضي المحتلة العام 1967 في الضفة الغربية، ينذر بانفجار الأوضاع. ففي موازاة استفزازات المستوطنين، وعمليات مقاومة شعبية مضادة، هناك دخول الجيش الإسرائيلي بأعداد كبيرة. لكن الأهم قيام المستوطنين، في مجموعات عمل منظمة، بالاعتداء على قرى فلسطينية وحرق محاصيلها والتعرض لأهاليها.

إذا لم يكن الرد الفلسطيني ذكيا وقوياً بشكل كاف، فإن المستوطنين يخططون لاستغلال انفجار انتفاضة جديدة لمصلحتهم؛ فأعدادهم وقواتهم وتحضيراتهم تختلف جذرياً عن الانتفاضتين السالفتين. الآن، هناك مشهد قوامه تحاشي المستوطنين دخول المدن الفلسطينية، في المقابل تصعيد المواجهات في الريف الفلسطيني، لتنفيذ مخطط هناك.

هناك سياسة رسمية إسرائيلية، يدعمها ويحفزها المستوطنون بشكل كبير، تقوم على ضم ما عرف بموجب اتفاقيات أوسلو، باسم المناطق "ج"، وهي المناطق الريفية وخصوصا المحيطة بالمستوطنات، والتي بقيت بموجب نصوص الاتفاقيات تحت السيطرة الأمنية الكاملة الاسرائيلية، والعمل على تفريغ هذه الأراضي. ومن المرجح أن يصبح الهدف الاستيطاني الآن تنفيذ مخطط ترويع وطرد أهالي هذه القرى في هذه المناطق، كما حدث في العام 1948 من تفريغ قرى دير ياسين والطنطورة وغيرهما، بل سيكون الهجوم أشد هذه المرة.

يحتاج التصدي لهذا المشروع إلى منظومة دفاعية فلسطينية، قادرة أولا على مواجهة المستوطنين. وثانياً، تجييش العالم سياسياً ودبلوماسياً وشعبياً للتصدي للإسرائيليين.

على مدى سنوات، في مرحلة تولي الرئيس الفلسطيني محمود عباس الرئاسة، كان هناك خطاب قوامه "وحدانية السلاح"، والعمل ضمن استراتيجية التفاوض وقنوات الحراك الدبلوماسي. وكانت هذه هي العقيدة السياسية والأمنية الرسمية الفلسطينية. والآن، انهار كل هذا، واعترف الرئيس الفلسطيني صراحة وجهاراً، وأخبر العالم والفلسطينيين، من على منبر الأمم المتحدة الأسبوع الماضي، أنّ الالتزام بهذه الاتفاقيات غير ممكن.

والآن أيضا، فإنّ عشرات آلاف أعضاء الأجهزة الأمنية الفلسطينية، والشبان العاملين في محيط أجهزة السلطة الفلسطينية، ينظرون لمشهد فيه مستقبل مجهول؛ مجهول حتى على المستوى الشخصي. فهم من ناحية وطنية، التزموا وعملوا ضمن مشروع "السلطة"، الذي اعتقدوا أنه سيوصلهم إلى الدولة المستقلة. ومن ناحية شخصية، ربطوا حياتهم اليومية والعائلية بهذا المشروع. والآن يقال لهم إن الاتفاقيات التي أنشأته غير واقعية وغير قابلة للاستمرار، أو بكلمات أخرى جرى التخلي عنها من قبل الطرف الآخر، ولا يمكن الاستمرار بها "من قبلنا"، وبالتالي تصبح أيضاً أي محاولة لضبط الشارع الفلسطيني، من دون تقديم استراتيجية عمل واضحة، تضمن أولا التصدي للمشروع الصهيوني الاستيطاني، أمراً يصعب التعامل معه أو الدفاع عنه، وثانياً، يصبح الحديث عن وحدانية السلاح والسلطة صعب الفهم والتقبل.

هذا الأمر يفتح الباب لسيناريو التنكيل الصهيوني بالشعب الفلسطيني، وسيناريو ثان هو حدوث مواجهة عنيفة مفتوحة بين المستوطنين المسلحين المدعومين بالجيش الإسرائيلي، والشعب الفلسطيني الذي ينضم له عناصر الأمن الفلسطيني، الذين هم في وضع حائر، ويتطلب منهم حسم خياراتهم الوطنية والشخصية.

من الممكن نظريا التصدي للحالة الاستيطانية الهجومية المتحفزة القائمة، بسيناريو ثالث، هو مشروع عصيان مدني شامل، وتنظيم وتعبئة تامة للفلسطينيين في الدفاع عن قراهم ومدنهم، ومواجهة المشروع الاستيطاني، وبدء مقاومة للتحرر على نحو مختلف، وهذا سيكون انتفاضة ثالثة حقيقية.

أما في ظل عدم وجود منظومة فلسطينية من حيث مبادئ العمل، وعدم وجود قيادة وطنية موحدة شعبية، فإنّ سيناريو الانتفاضة هو سيناريو هجوم استيطاني عنيف للغاية، مع القليل من الرد المدروس والمنسق فلسطينياً.

كاريكاتـــــير