كتب - طــلال مُعـــلاَّ :
ينتج الفن من جوهره، ومن نقيض جوهره، إنه الأمر الحيوي الذي نحتاج إلى مراقبة دقيقة له كي نربطه بواقع الإبداع.
ليس ما ينتجه الفنانون معيار معرفة الفن، فهي تجارب تحاول الاقتراب من الحقيقة. وفي كل التجارب التي نعرفها يحاول مبدعوها إرضاء أحاسيسنا المضطربة ببريق تجاربهم المتوالدة، يرهقها طول الطريق إلى الفن، ليبقى بطبيعته المطلقة سراً من أسرار الحياة، ونزوة بليغة من نزواتها، والأكثر اقتراباً منها، والأشد اندفاعاً باتجاهها على أجنحة الحرية، بجسارة التجاوز والاحتراق بتفاصيل الحياة، وعنفوانها.
في الحقب الفنية تتراكم المعارف والحقائق الإبداعية، التي ليس لها شأن خارج تاريخيتها.. بمعنى أن العظمة التي حققتها تبقى في إسارها الزمني الماضوي. فمهما بلغ الإعجاب بأهميتها فإنه يبقى مدماكاً مهماً في تطور مسارات الفن وليس في حاضره، لهذا نستشعر أهميته في التعليم والتدريب والتثقيف، وليس بالتعبيرعن المعاش وحسب.
هكذا يتم تقويم ومعايرة ومقايسة الفن، اعتماداً على وعينا بالامتداد الزمني المحدود للإنسان، أي بوعي ما يمتد من اللحظة وحتى عمق مايزيد على أربعة آلاف عام. إنه الزمن الذي نقدره لوعينا، معتبرين أن كل ما هو خارج الزمن إنما يعتمد على حلمية الإبداع، وامتداد التاريخ في الحاضر.
المشكلة في بناء التصورات عن الفن أننا ننطلق من واقع الفنون وبناها، وتستقر تحاليلنا عند حدود معارفنا المحلية عنها كشهادة على الإبداع، في حيز زماني مغلق ومحدود، وليس في حدود أحداث الفن وصيرورته.
هل من الحقيقة الاعتراف ان الانتساب إلى أسلوب من أساليب الفن هو: رضوخ له، باعتباره قوة النوع لا التنوع، وأن الطريق الذي يسلكه المبدع ليس أكثر من عزلة في فراغ لانوافذ فيه.. صحيح أن هناك الكثير مما لايمكن رؤيته، لكن على الأقل لابد أن يهمس المبدع في قلبه بأنه عبد الأسلوب الذي يحياه أو يرفضه.
مَنْ يمنح الفن تصوراً بعيداً عن واقعه المتحقق؟ أو عن الإيديولوجيات ذات الصلة بتركيبته المعقدة؟..
سؤال مركب تعتمد الإجابة عليه على إلغائية واضحة للمعارف المتنوعة، ونفي باقي المصطلحات التي تؤمن إدراكاً معيناً للفن في فترة محددة. ما يعني أن الرؤية التي تؤسس للتصورات الجديدة التي تحمل في بنيتها تغريباً للمفاهيم، ومحاولة إعادة بناءها وفق حوافز توليفية، يعمل الفنانون على تحقيقها بإسنادات جمالية تؤطر ما يذهب إليه التفكير النقدي والنظري، في إطار بناء التصور الجديد القائم على خصائص محددة، شكلية كانت أو مضمونية، وسوى ذلك مما يمنح الفرادة الجديدة طبيعة متجددة للفن تنبع من محتواه المفاهيمي الإطلاقي، وليس عبر المرجعيات المحققة واقعياً أو زمنياً.
استعارة الصور من الماضي فعل لايقود إلى التقدم، لأنه منته على مستوى التصور، ويمكن أن نقول بأنه تصور مغلق لا يمكن البناء عليه. فالأسئلة التي أجاب عنها الفن في عصور معينة قد أجاب عنها وفق مقتضيات وظروف تلك العصور، وقد جهد آنذاك لتأسيس أساليب ومعارف تجاوزية وتطورية وانتقالية شكلت رؤيته التي عبر عنها وفقاً للاحتياجات المنطقية في إطار الخلاص الجمالي.
حتى حين نستدعي ما غاب من العصور، فإنه لا يتجاوز استدعاء أعزاء فقدناهم، أوأفكار باتت في حكم الانقضاء، فالفن كحدث معاش ومتبدل إنما يكون ابن اللحظة التي تنتجه. ولهذا يبقى في كامل الحيوية والطاقة التي تدفع للدهشة حين يفاجئنا الفن بطفولته العابرة للأزمان التي لاتشيخ.
على سبيل المثال، نتساءل عادة: من أين استمد فن الأنوار الغربي قوته وسلطته ومكانته وتأثيره؟ ولماذا اكتسح بحضوره المشهد الإلهامي الإنساني؟ ما الذي سبقه على مستوى استيعاب الأحاسيس الإنسانية؟ بل ماهي ظروف حكم الكنيسة المنهار؟.. أي فيضان اكتسح الفن على حين غرة؟.. على هذا الأساس، تكتمل الظروف الاقتصادية والسياسية والاجتماعية والثقافية لخلق نقلات إبداعية حاسمة في الذهن الإنساني، وفي جو من الحرية التي تتجاوز سذاجة المعتاد، والمستقر في فراغ الإبداع.
إذن، إلى جانب الخلق العابر هناك الظرف المحيط والبيئة الحاضنة، حيث ترتبط ذهنية الخلق بالطبع الحر الخالق، الذي يتعامل مع ذاكرته الإبداعية على أسس تجاوزية تمكنه من المحافظة على حريته وحيويته وقلقه، وإلا وقع في التراجع الذي تظهره الأجيال المعاصرة له، التي تتجاوزه على كافة المستويات دون أن يدري، أو بفعل الكآبة التي تتبدى كبديل عن عدم درايته بأن الزمن يسبقه ويتجاوز تفكيره وإمكاناته.. يحدد كل ذلك أصحاب المصلحة الحقيقية في كشف مستور الفنان وإبداعه من جمهور ونقاد، وقبل ذلك منتَجه المستقر الذي يفقد جاذبيته وجدته وحداثته ويدخل في الاعتياد، كونه يكتفي بما يريد أن تحمله أعماله إلى الآخرين ولا يعود مهتماً بما يناقض مضامينها.
حين يتحول إبداع الفنان إلى ممر لعبور الأفكار تنخفض القيمة الإبداعية التي يقصدها عادة، ويضحي التجريب ميكانيكياً إن لم نقل رديئاً على مستوى التأويل. فالممر غير منفتح على آفاق المفاهيم كونه يعتمد على قطبين: مدخل ومخرج وحسب، وأي جوهر إنما يحتاج إلى عبث لا يقيده اتجاه، وإلى قدرة على ولوج المغامرة التي قد توصله إلى غير ما يقصد أو ما يسعى إليه.. إنها الفرصة التي يكتشف عبرها العالم بكامل الحرية.
إذا كانت الفوضى قناع الفنان الذي يختفي خلفه يمكننا أن نتساءل إن كانت قناعاته مطابقة لقناعه هذا، وإن كان الاحتراس من قسوة السقوط جزء من هذا القناع، وهل يسعى عبر هذه الفوضى أن يكرس صورة الفنان ليتسمر فيها دون أن يمتلك حرية نزع هذا القناع، خشية أن يصدم الآخرين بحقيقته قبل أن يُصدم هو ذاته بمواقفهم من نتاجه.
يبدأ الفنان بالادعاء، ثم بالمحاكاة الخارجية، ثم بتصوير الأفعال.. إنه طريقه الوعر ليخلق صورته الفاعلة في أذهان الآخرين عن الظاهرة التي سيمثلها، والتي ستتشكل بقوة في أعماقه، وفي أذهان الآخرين. لأنه سيكتشف بالتدريج مدى تأثيره بمن حوله، وبمدى قدرته على إيهام الآخرين برؤيته. إنه ينطلق في كل ذلك من شبكة الشك التي يعيشها الآخر، لخلق دوائر تقنع الآخرين بما يفعل، ولكي يبهرهم بالذي يفعله فإنه يلجأ لخلق المزيد من الصور التي تجعلهم يتجاوزون الشك بإمكانياته الإبداعية.
بعض الفنانين الذين يحققون مكانة مرضية على المستوى الإنساني إنما يحققونها بكونهم الأقدر على توليد الأفكار التي تحتاج لوقت لتفسيرها أو تحليلها أو وضعها في سياق العصر. قد يكون هذياناً أو اختراقاً للأخطاء، أو أنه من الأخطاء التي يغلفها الخيال والمعرفة، وليس ما يقال عن الحقائق، لأن الحقائق تدرك وفق المناهج، فيما يبقى المنتج الفني في حالات ضبابية على مستوى الوعي بالمنتج، كما كان سابقاً على ارتباط بالماورائي والأسطوري والخارق.
ماهو مكتسب في الفن اليوم كان دائماً عرضة للإلغاء بسبب اعتماده على فرضيات آنية على اتصال بجوهر الجمال الذي كان يحاول التخفيف من وطأة القباحة في الحياة، لهذا فإن ما بين تعبير الفن واللافن محاولة لإظهار حقيقة أن من يحدد القضايا هو الإنسان. والأمر ليس على ارتباط بالاعتقاد التبريري للتصور المسبق عن الفن، بل بحقيقة أن كلاً من الفن أو اللافن تعبيران عن معنى واحد.
الإبداع ابن ذاته قبل أي أمر آخر، والكلام عن فن شمولي تعبير جيد، لكنه خالٍ من أي معنى، إذ لافن دون حامل يشبهه، يرفعه ويغذيه. في هذا الشأن يمكن أن يقال الكثير، إلا أن الصوت الأعلى يبقى ما نعلمه من تقسيمات زمنية أو مذهبية أو جغرافية أو مناطقية للفنون، فالفن مفهوم إنساني شامل، سوى أن خصوصيات وذهنية ورؤى الساعين إليه تبقى أحجية إن لم تنسب إلى الظروف، وإلى المجتمعات، تحمل رائحتها، ونكهة أحاسيسها.
الفن بعض الثقافة الإنسانية، والثقافة كما هو معروف ظاهرة ينتجها البشر جراء تعاملهم مع الحاضر، والتطلع بلهفة إلى الآتي. الفن منظومة هامة من منظومات التفكير، له لغته، وفهمه للمجتمعات المنتجة له، ومواقفها وأهدافها ووسائل تفاعلها.. لكن إن لم يتم اعتراف الآخر بهذه الخصوصيات فإنه يُبقيها في عتمة العزلة. بمعنى أن مثل هذا الاعتراف أساس حيوي لتأكيد الهوية الخصوصية والثوابت الإبداعية.
لايمكن تركيز الاهتمام على الفن كمفهوم بصورة مطلقة دون اعتبار الإنسان، وتلمس ظروفه، وأحواله المختلفة، وكل ماله تأثير في تحديد توجهات الفنون التي يُنتجها، ومختلف الإبداعات التي تتأثر لاشك بالظروف الاجتماعية والاقتصادية والسياسية. ولعل الإشارة إلى الإنسان كفاعل وحيد على المستوى الإبداعي إنما يشير إلى المفاهيم والأحداث والعلاقات والفرضيات والمرجعيات التي تجعل من الحالة الإبداعية محركاً للقيم، ولنماذج المعرفة والسلوك بأنماطه المختلفة، بل وفي إطار الحقوق والنظم والبيئات التي نتشارك في ظلها مختلف الأوضاع والمسائل والقضايا مهما ضاقت أو اتسعت.
التصورات، القيم، المعاني.. كلها تحتاج لمُنتِج، ولوعاء يجعلها قادرة ومستقلة بذاتها بالتوافق مع شروط انتاج الحياة المادية، وتكرار أو توليد إنتاجها. والحقيقة أن الأفكار والمعاني والتصورات تبقى الأكثر خلوداً كمفاهيم، فيما تتمثل تجلياتها في النتاجات الفنية المختلفة وفقاً للظروف المحيطة بها، والأفكار والفلسفات والمعارف الناظمة لحقبة أو فترة من الفترات المتبدلة بتبدل أحوال الإنسان، وهذا مايدعو دائماً للقول بأن المعاني تستقر في خفايا الوعي الإنساني لتتجلى كل مرة بما يتجاوز المكان والزمان والحلة التي كان عليها، وهو ماندعوه القوة الرمزية للفنون بكل ماتضمره من وعي وقيم لقضايا الخلق والإبداع.
جرت العادة في تقسيمات أغلب نقاد الفنون البصرية الإشارة إلى أن هذه الفنون هي فنون مكانية، فيما يتم الإشارة إلى أن الموسيقا من الفنون الزمانية، وحقيقة الأمر أن في كلا الفنين ترابط واضح بين الزمان والمكان. وهو ماتشير إليه الفيزياء المعاصرة، أو النظريات الفلسفية المحدثة، إذ يتحدث النقد عن الفضاءات بدلاً من الأمكنة في معظم الفنون المعاصرة، كالفنون الحركية والاستعراضية والتنصيبية ومختلف فنون الأوب آرت وسواها.. هذا الأمر ينطبق أيضاً على الموسيقا وتداخلها مع العروض الحدثية ومع فنون الهولوغرام، وفنون الضوء المبرمجة، وفنون الصوت وسواها من الفنون.
من المؤكد أن واقعاً مركباً في هذه الفنون يشتمل على مايتحدى العلاقة المعتادة مع كل من الزمان والمكان، فالحقائق المركبة ذاتها تختلف عن صورتها في الإعلام والتوثيق. وإذا كان الحدث البصري بات يأتلف من مجموعة من الاختلافات، والتضادات، التي تتوحد من أجل مفاهيم بصرية جديدة، تتعايش ولو بعمق التعقيدات التنفيذية. إلا أنها تحتضن أفكاراً لم نعتد تداولها أثناء الإنجاز، أو بعد مشاهدة العمل الفني، لهذا فإن الطبقات الزمنية تشير إلى تحولات مكانية، تكشف بوضوح مايمكن دعوته ( وقت المشاهدة ). وهو وقت قد يطول أو يقصر من أجل الوصول إلى المحتوى، ليس كنظرية، وإنما باعتباره وسيلة لقراءة المتغيرات من حولنا.
لنقل إذن أن مثل هذه الأعمال الفنية التي يتركب فيها الزمان مع المكان إنما تشمل مادة تفكير يدرك المتلقي من خلالها الطريق التي عليه التركيز عليها، وخاصة فيما ذهبت إليه فنون الفوتوغراف المحدثة، حيث يركز فيها المشاهد على الوقت في الوقت المناسب، وهو زمن مركب من زمن السرد البصري في الصورة وزمن المشاهدة..
في السرد يتركب الزمان والمكان، فيما يعتمد زمن المشاهدة على أعلى قيمة من التجريد الإدراكي، أي أن المشاهدة المثالية التي تقلل من قيمة الواقع، وتعلي من قيمة الفن، والتي توسع الرؤية بالاستناد إلى كل المعارف التي كرست صفات الصورة ومعمار تلقيها، والطريقة التي تتعامل من خلالها مع الضوء.. الضوء الخارجي الذي يبرز الوقائع المقترحة. والضوء الداخلي الذي يجعل الفنان يختار ما يختار لنقله من حيزه الفعلي إلى مكان العرض، أو النشر. بالدخول إلى الرؤية الأشمل التي لاتقتصر على وجود الأشياء في أحيازها، وإنما في ضوء مالانعرفه من صفاتها، وقابلياتها للتبدل والتغيير على مستوى المشاهدة المؤطرة بوجهات النظر، وجهة نظر المصور، ووجهة نظر المشاهد، اللتان تقدمان إيغالاً في ذاتية قراءة العلاقة التي ترسم في المخيلة كل من الزمان والمكان.
إن الثقة بتحولات الإبداع البصري تمتد أساسا من الرؤية لمجمل العناصر المتشكلة، والمرئية بكامل تفاصيلها الجمالية، سواء أشارت إلى الواقع، أو المجرد، أو المفهوم، أو الحدث. بالرغم من تسليمنا أنها مجتمعة تعبر عن منشآت الواقع الإدراكي والمعرفي للإنسان العارف بأنه يعرف، وأن معرفته هذه هي التي تتحول في منظومات لتكون مادة تفكيره البصري الجديد كل مرة، والذي لايقوم إلا على زعزعة موروثات ومفاهيم، وبناء أشكال ليس على انسجام المواد فقط، بل وعلى تصادمها أو اندماجها، باعتبار أنه يمكن أن تكون مؤلفة من مواد هجينة تؤدي بوجودها إلى ابتكار وسائل تتجاوز المواد التقليدية، التي اعتدنا على دلالات وجودها ومعانيها التقليدية.
الكتابة في الفنون البصرية، كغيرها من الكتابات المتخصصة، تحتاج للمعرفة المسبقة، وللقدرة على التحليل، واتباع معايير التخصص، ومعايشة المصطلحات، والمفاهيم الضرورية التي تحقق الإحاطة بالممارسات الإبداعية، وبالممارسات النقدية التي تطال الشكل والأسلوب والموضوع، وإمكانية ولوج تفاصيل هذه الجزئيات، سواء بالتحليل المباشر، أو بالقياس على تجربة الفنان ذاتها، أو بأحد منجزاته، أو عبر التراث الثقافي الذي ينتمي إليه، أو بالإشارة لتموضعه في تاريخ الفن بشكل عام.
إنها محاولة خلق النموذج الذي يمكن الكاتب من المقارنة والقياس، أو اللجوء إلى مايغني تحليله، برصد المواد التي ينفذ عبرها العمل الفني، أو البيئة التي ينجزه فيها، وصولاً إلى القيمة التي يتركها الأثر الفني من خلال مجموعة الوسائط المساعدة على إبراز المعنى المقصود، ودور مختلف العناصر البصرية في التأثير على المشاهد.
*فنان وباحث في الجماليات المعاصرة
يتبع
























