شبكة نوى، فلسطينيات
اليوم الاحد 13 سبتمبر 2026م00:23 بتوقيت القدس

«الطُّغاة» و«شُيوخهم»!

30 سبتمبر 2015 - 08:28
جواد البشيتي
شبكة نوى، فلسطينيات:

"الفقر لا يصنع ثورة؛ إنَّما وعي الفقر هو الذي يصنع ثورة. الطاغية مهمَّته أنْ يجعلك فقيراً؛ وشيخ الطاغية مهمَّته أنْ يجعل وعيكَ غائباً"؛ إنَّه لقولٌ عظيم المعنى لقائلٍ لا يَقِلُّ عَظَمة.
أنْ تعي أنَّكَ فقير فهذا ليس بـ "وعي الفقر" الذي يصنع ثورة؛ فوعي الفقر إنَّما هو وعي سببه، ووعي هذا السبب على أنَّه هو أيضاً سبب الغنى؛ فهذا الفقر من ذاك الغنى، وهذا الغنى من ذاك الفقر.
و"الطاغية" الذي يتوفَّر على جعلكَ فقيراً ليس شخصاً فحسب؛ وينبغي لنا أنْ نفهم "الطاغية" على أنَّه "طريقة في الحكم" تسمح لفئة من الناس، على شكل هرم، بالاغتناء من طريق إفقاركَ؛ وإنَّ غاية "الاستبداد"، استبداد هذا "الهرم"، رأساً وقاعدة، هي "امتصاص دمكَ".
"الطاغية (شخصاً وفئة اجتماعية)" لا مهمَّة لديه إلاَّ جعلك فقيراً، تزداد فقراً، حتى يغتني هو، ويزداد غنىً. وهذا "الطاغية" يحتاج إلى "الشيخ"، الذي يُنْعِم عليه بشيء من المال الذي نهبه وسرقه من الشعب من أجل أنْ يؤدِّي، ويُحْسِن تأدية، مهمَّته، والتي هي أنْ يجعل وعيكَ (أنتَ الفقير) غائباً. إنَّه بإحضاره "وعياً آخر" في رأسكَ يُغيِّب وعيكَ (وعيكَ السبب الحقيقي لفقرك).
"شيخ الطاغية" يشرع يُزيِّن لكَ فقركَ، وينفث في روعكَ أنَّ الفقر أمْرٌ حتمي وطبيعي ولا مهرب منه، وأنَّه أزلي أبدي؛ فالله أراد للناس جميعاً أنْ ينقسموا هذا الانقسام (الأزلي الأبدي). الله هو موزِّع الأرزاق؛ هو الخالق لفقر الفقير، ولغنى الغني؛ وليس من صلة سببية بين فقر الفقير وغِنى الغني. 
الله جعل الناس طبقات: طبقتين اثنتين قد تتوسطهما طبقة ثالثة. لقد أعطى لفئة ضئيلة من الناس حصة الأسد من ثروة المجتمع، وأراد أنْ يرى في هؤلاء (في مأكلهم وملبسهم ومسكنهم..) آثار نعمته. وأعطى ما بقي من ثروة المجتمع للشعب، أيْ للغالبية العظمى من الناس؛ لكنَّه دعا الذين أغناهم إلى البرِّ والإحسان والتصدُّق.
وينبغي للفقير (ولو ازداد فقراً، وتضوَّر جوعاً) أنْ يحمد الله على هذا المكروه، والذي فيه اختبار وامتحان من الله لإيمان، وصلابة إيمان، الفقير. ينبغي له ألاَّ يتذمَّر ويتمرَّد ويثور..، وإلاَّ كَفَر، وكُفِّر. وينبغي له ألاَّ يَنْظُر إلى غنى الغني على أنَّه نتيجة لفقر الفقير؛ فالغني أغناه الله، والفقير أفقره الله؛ أمَّا ثورة الفقراء فهي رجس من عمل الشيطان، وعصيان يعدل عصيان إبليس.
ينبغي للفقير أنْ يرضى ويقنع، وأنْ يحمد ربه دائماً على ما ابتلاه به من فقر وعوز وفاقة وجوع وحرمان؛ أمَّا إذا أراد غنىً بعد فقر فعليه أنْ يُكْثِر من الأدعية والصلوات، وأنْ يجتنب طريق الشيطان، أيْ الثورة والتمرد.
على الفقير أنْ يرضى العيش إلى أبد الدهر في وادي الدموع، يجوع ويتعذَّب ويحزن ويبكي.. في الدنيا، ليشبع ويرتاح ويسعد ويضحك.. في الآخرة؛ عليه أنْ يصبر ويتحمَّل ويكابد ويقاسي ويعاني، معلِّلاً نفسه بكل الملذَّات التي حُرِم منها في الدنيا الفانية.
سَلِّمْ بفقركَ الذي كتبه الله لكَ؛ لكنْ إيَّاكَ أنْ تَقَع في شروره الأخلاقية؛ فلا تسرق، ولا تثور، ولا تتمرَّد. وإذا كان الجوع كافراً، فلا تكفر، وإلاَّ ..
بهذا الوعي (والذي لم نَذْكُر منه إلاَّ غيضاً من فيضه) يُحْكِم "شيخ الطاغية" قبضته (وقبضة سيِّده) على عقلكَ، فيجعلك عدوَّاً لنفسكَ؛ عدوَّاً لحقوقكَ، ولمصالحك الحقيقية (الواقعية، الأرضية، لا الوهمية).
أمَّا "الشرطي الأرضي"، والذي لا يثق كثيراً بأهلية "الشرطي السماوي" المزروع في عقول الفقراء، فيجتهد دائماً في إتمام مهمَّة "شيخ الطاغية"؛ فهو أذكى من أنْ يُصَدِّق أنَّ الجوع يمكن أنْ ينزل على الجائع برداً وسلاماً.

كاريكاتـــــير