شبكة نوى، فلسطينيات
اليوم الاحد 13 سبتمبر 2026م02:17 بتوقيت القدس

لمصلحة الداعمين

تبديل أسماء الأماكن: تفتيت الوعي والهوية المهددّة!

29 سبتمبر 2015 - 09:51
شبكة نوى، فلسطينيات:

غزة- خاص نوى- مي أبو حسنين وميرفت أبو جامع

"من ليس له ماضي، ليس له حاضر"، التوصيف الأدق، لما يجري من محاولات تغير هوية الكثير من الأماكن في قطاع غزة، واستبدالها بأخرى، فبريد عمر المختار تغير اسمه إلى بريد هنية، وإستاد "فلسطين" إلى إستاد "أردوغان"، مستشفى "مبارك" إلى مستشفى "التحرير"، وأخيرًا مدرسة "غسان كنفاني" إلى "مرمرة" وغيرها الكثير.

في بداية العام الدراسي 2015، قامت وزارة التربية والتعليم في غزة بتغيير مسمى مدرسة "غسان كنفاني" في رفح جنوب قطاع غزة، إلى "مرمرة" التركية، نسبة إلى أسطول الحرية الذي جاء بصحبة 6 سفن في العام 2010، لفك الحصار المفروض على قطاع غزة منذ فوز حركة حماس بالانتخابات التشريعية في العام 2006،

التغيير آثار موجة من الانتقادات في الشارع الغزي، وعبر وسائل التواصل الاجتماعي (فيس بوك، وتويتر)، وكذلك لدى الفصائل الفلسطينية، وأعاد إلى الأذهان صور تغيير الأسماء الذي بدأته حركة حماس منذ سيطرتها على قطاع غزة، لما فيه من تهديد جديً للهوية الفلسطينية، ويطرح تساؤلات حول إن كان ما يجري ينم عن جهلٍ حقيقي؟ أم أننا أمام مُخطط مُحكم الإعداد؟

جّس نبض

" ما جرى مع مسمى مدرسة "غسان كنفاني"، ليس الوحيد، فمدرستي التي تحمل اسم "العودة" وهي أول مدرسة حكومية شرق خان يونس، جنوب قطاع غزة، وخرجت طلائع طلبة "جيفارا فلسطين"، تم استبدالها "بالخنساء" في التسعينات، تقول مريم أبو دقة القيادية في الجبهة الشعبية لتحرير فلسطين.

تتابع أبو دقه" ما حدث بالنسبة للمناضل كنفاني، شكّل صدمة للكل الفلسطيني وليس للجبهة الشعبية وحدها، مما استدعى متابعة الأمر ميدانيًا، لخطورته". منوهةً إلى أن ما يجري من محاولات هنا وهنالك، هي عملية "جّس نبض"، والسكوت هنا سيجعلها ترتقي إلى ظاهرة.

وكانت الجبهة الشعبية قد أصدرت بيانا، استنكرت فيه الحادثة، وطالبت بمحاسبة القائمين على الأمر.

وتشدّد أبو دقة إلى أنهم وجدوا ردود فعل متناقضة من مديرية التربية والتعليم، والوزارة، وكذلك حركة حماس.

اعتماد الطرشاوي الناشطة بحركة حماس تنفي "لنوى" أن ينم الأمر عن سياسة مرسومة من قبل الحركة، مشيرةً أنها لا تعدو كونها اجتهادات محلية لا تعبر عن رأي الحركة على حد قولها.

وتشدد أن "حركة حماس لم تقم بالأمر بدلالة عدم وجود خرائط ووثائق رسمية أو حتى GPS  بهذا الخصوص."

وفي السياق ذاته يقول ناصر يافاوي الموجة بوزارة التربية والتعليم والخبير في التاريخ الفلسطيني أن " بيان مدير التربية والتعليم كان ركيك للغاية، وحججة في هذه الصدد ضعيفة".

يتابع يافاوي " بيان مدير التعليم علّل السبب بأن اسم المدرسة جاء بناء على طلب أخيه مروان كنفاني الذي اشترط تسمية اسم المدرسة مقابل تقديم الدعم للمدرسة".

يعد غسان كنفاني الذي ينحدر من مدينة عكا مواليد 9 إبريل (1936م)، من أبرز الرموز النضالية الفلسطينية التي أثرت أدب المقاومة بالعديد من الإسهامات التي نقلت معاناة اللجوء والتشرد الفلسطيني للعالم، بترجمة مؤلفاته لسبع لغات عالمية.

تلفت أبو دقة الانتباه إلى أن أدب غسان يُدرس في الجامعة العبرية، في إشارة لعمق تجربته.

وساهم منذ بدايات الثورة مع ثلة من المناضلين الفلسطينيين في تأسيس حركة "القوميين العرب"، التي مهدت لولادة "الجبهة الشعبية لتحرير فلسطين" فيما بعد.

بحنين تقول أبو دقة "الأجيال الفلسطينية عشقت وغنت لفلسطين من خلال الوعي الذي قدمه غسان بالمعني السياسي".

وحول إن نمت محاولة تغير الاسم عن جهل تقول أبو دقة "لا يوجد شيء عن جهل، يوجد فكر ظلامي، لطمس التاريخ، وبناء تاريخ جديد".

وتذكر أن آخر الأحاديث تدور حول أن المدرسة تحمل مسميين الصباحي باسم "غسان كنفاني"، والمسائي باسم " مرمرة".

نعم ... "للفلسطنه"

تعميق الهوية الوطنية الفلسطينية لدى وعي العديد من الأجيال الفلسطينية الصاعدة، مع الهجمة الشرسة من الاحتلال على القطاع بمروره ب "3"، حروب خلال خمس سنوات، دفعت مراقبين وباحثين لتبني ما اصطلح على تسمية " بالفلسطنة" في إشارة لتعميم كل ما هو فلسطيني لحفظ الهوية.

يقول عمر شعبان الباحث في مركز التخطيط الفلسطيني في هذا الصدد " أنا مع مبدأ تعميق الوعي والعمق الفلسطيني للجيل الجديد من خلال تسمية كل ما هو جديد بأسماء فلسطينية".

ويتابع " كذلك استبدال الأسماء الإسلامية بأخرى فلسطينية لأننا في مرحلة تحرر وطني"

وتشاطره الرأي مريم أبو دقة بالتنويه إلى أنه من حق أصغر شهيد فلسطيني برًا من الثورة بأبنائها تسميه كافة المنشآت والشوارع بأسمائهم.

باستغراب تقول أبو دقة أن "الشهيد أبو علي مصطفي وكذلك الحكيم جورج حبش كيف لا تسمى أي منشأة وطنية بأسمائهم؟ ، متساءله هل الوطن حكر على شهداء فصائل معينة؟".

وينوه أبو شعبان إلى أنه أثناء إنشاء السلطة الفلسطينية في العام 1994، تم تسمية معظم شوارع غزة بأسماء شهداء الانتفاضة الأولى لإحياء ذكراهم.

رغم محاولات تغيير بعض أسماء الأماكن، إلا أن المواطنين لا يزالون يتشبثون بالأسماء الأصلية لها، عن دلالة ذلك، ترى أمل الحجار مسئولة الإعلام في حركة الجهاد الإسلامي أن الانتماء الصادق من الجماهير للرموز الوطنية الأصيلة والتي خرجت من رحم الشعب الفلسطيني وعاشت معاناته وآماله وأحلامه وضحت من أجله هو السبب"

تتابع الجيار"قد تكون أسماء أماكن وتم تسميتها من قبل بعض الرموز الوطنية والشخصيات الاعتبارية، ووفاء لتلك الرموز والشخصيات ظل الناس يحملون تلك المسميات، ومن ناحية أخرى يدلّل عدم استعمال الأسماء المستحدثة على الفجوة بين النخبة الحاكمة والشعب"

 

اشكر .... بعيدا عن الهوية

جرى أخيرأ محاولات شكر للجهات المانحة بإطلاق مسميات تحمل أسماء المانحين، هذه الحالة لاقت غضب مراقبين، ووصفوها بحالة يجب التوقف عندها.

يقول عمر شعبان " أنا مع بناء علاقات الصداقة والشراكة، مع جميع الجهات الداعمة والمانحة للقضية لكن بعيدًا عن الهوية الفلسطينية".

ويشار إلى أن تركيا لعبت دورا محوريا في السنوات الأخيرة لدعم القضية الفلسطينية بعد عودتها للحضن العربي والإسلامي في حقبة الرئيس أردوغان، خاصة مع حركة حماس التي تشاطر حزب "العدالة والتنمية التركي" بالانتماء لمدرسة الإخوان المسلمين.

يري خبير في تاريخ فلسطين، رفض الكشف عن اسمه، " أن ما يجري هو محاولة لتخليد سفن كسر الحصار"ويتابع " وهو محاولة لترسيخ الوعي الإسلامي، على حساب الوعي الوطني القومي  العربي".

يذكر أن تركيا مع تبدل النظم السياسية فيها من علماني إلى إسلامي، إلا أنها حافظت على إرث مؤسس الجمهورية التركية كمال أتاتورك ( 1881-1938م) ، بوضع صورته في كافة المؤسسات السيادية التركية حتى اليوم، وعدم التنكر لإسهاماته.

وتشدد مريم أبو دقة " أنها لا تعارض من يدعمها، لكن من لا يحترم تاريخه، لا يحترم تاريخ الآخرين، في إشارة لاستبدال اسم "كنفاني " بمرمرة".

هنا تنفي الطرشاوي أن حماس لا تزال تحكم قطاع غزة، وترى أن حكومة الوفاق هي من يتولى مسؤولية  تسيّير القطاع.

ويرفض شعبان في ذات السياق مثلا ما تم في حقبة الرئيس عرفات بإطلاق مسمي شارع "شارل ديغول" لشكر فرنسا على دعمها.

ويستعرض سبل شكر المانحين من خلال " زرع أشجار تحمل مسمي الجهة الداعمة تخلد لمئات السنين، وكذلك التوثيق بكتاب أو حتى حفل يلفت الانتباه".

لا تعارض الطرشاوي هنا إطلاق أسماء المانحين، ولكن بعيدًا عن الهوية الفلسطينية وتعتز بها -على حد قولها.

وفي ذات السياق يرى موسى طالب استاذ الإعلام في جامعة الأزهر أنه لا غضاضة من إطلاق مسميات تحمل أسماء تعمق الوعي النضالي لشعب الفلسطيني مثل عمر المختار.

ويطلق اسم المناضل الليبي عمر المختار على اسم أهم شارع في مدينة غزة يمتد من شرق إلى غرب مدينة غزة.

يذكر موسي" أن إطلاق اسم الرئيس المصري الراحل جمال عبد الناصر على شارع الثلاثيني، وكذلك شارع جامعة الدول العربية على شارع الجامعات يعزز الانتماء الوطني العربي".

شواهد خطيرة

الحالة التي خلفتها حادثة "غسان كنفاني"، أيقظت الذاكرة لأحداث أخرى مرت مرور الكرام، مما استدعى التذكير بها لخطورة الأمر على وعي الأجيال الجديدة.

الكاتب الفلسطيني الشاب محمود جودة مع احتدام الجدل حول حادثة غسان كنفاني كتب عبر صفحته على الفيس بوك " هذا الأمر حدث قبل حوالي ثلاث سنوات ومر مرور الكرام، في إشارة لبريد عمر المختار الذي تم إعادة ترميمه في عهد حكومة السيد إسماعيل هنية، بإزالة اللوحة الرخامية واستبدالها  بأخرى ألمنيوم دون ذكر الشخصيات التي افتتحت المكان ولا التاريخ"

ويتابع جودة " هذا استهداف واضح للتاريخ وتصفية حسابات مع شخصيات كالرئيس جمال عبد الناصر".

ويذكر أن بريد عمر المختار هو المقر العام لبريد غزة المركزي، وقد تم إنشاءه في عهد الراحل جمال عبد الناصر رئيس الجمهورية الاتحادية آنذاك( 1958-1961م)، وكان القطاع يقع تحت الحكم الإداري المصري.

ويعلق جودة على الحادثة "هذا إقامة عداوة مع الفكر والمنطق، إقامة عداوة مع التاريخ إن لم يكن من صنعي، ومع الجغرافيا أن لم تكن تحت حكمي"

لكن يذكر جودة أن العزاء الوحيد لنا هو وجود لوحة تاريخية وحيدة في المعهد الأزهري ترمز للحقبة المصرية التي استمرت من (1948-1959م)، وتؤرخ لحضور الرئيس السادات لافتتاح المعهد الأزهري عام 1958".

تعلق الطرشاوي الناشطة في حركة حماس  على هذه الحادثة بالقول:" بأننا يجب أن نتحرى الدقة خاصة في الإعلام الجديد الذي يوفر مساحة كبيرة للاجتهاد"

وتضيف "هنالك الكثير من الشائعات التي تشوه مسمى الحركة، مما يستدعي ضرورة التفرقة بين الحقيقة والشبه".

ولا تستغرب الطالبة في جامعة الأزهر تغريد عويضة، و تدرس سكرتارية طبية، ما حدث من تغيير مسمى مدرسة غسان كنفاني، تقول لـ"نوى"، "الأمر غير مستغرب لأن الحكومة هنا بغزة تعمل هذا لمصلحتها لدعم نفسها، وتنسي نضال الشعب". تضيف" بجانب بيتنا تم تحويل اسم ملعب "استاذ فلسطين" على اسم الرئيس التركي أردوغان".

يحتدم النقاش بين عويضة وزميلاتها ليستقر النقاش باستهجان الأمر بالاعتداء على رمز وطني فلسطيني.

يعدّد ناصر يافاوي العديد من الشواهد والحالات لتغيير مسميات الأماكن، لافتًا الانتباه لتعمد حركة حماس إطلاق أسماء قادتها على مدارس وجوامع مما يكرس الحالة الحزبية، ويعمق حالة الانقسام.

تفتيت الوعي

" الثقافة آخر سلاح ناعم بأيدينا، ومفعوله يضاهي الصواريخ، وقلم " كنفاني "له ذات الأثر" تقول مريم أبو دقة.

يذكر أنه عندما تم اغتيال كنفاني في بيروت 8 يوليو 1972م، وكان يبلغ من العمر 36عاما، قالت جولدا مائير رئيسة وزراء إسرائيل( 1969-1974)، في ذلك الوقت " لقد تخلصنا من مستودع أسلحة".

وبفخر تقول أبو دقة " غسان مثال المثقف المناضل، وليس مثقف البلاط، فأصبح قامة عالمية تنشر فكر الثورة بقلمه في وعي الأجيال، مرمرة تؤثر، شارل ديغول يؤثر وهكذا".

أما أمل الحجار مسئولة اللجنة الإعلامية  في دائرة العمل النسائي التابعة لحركة الجهاد الإسلامي فترى أن المضي في هذا النهج "تغير هوية الأماكن" يعمل على شرخ وزعزعة الانسجام ما بين الأجيال المتلاحقة حول الرموز التاريخية، بحيث يتحول المجتمع إلى مجموعة غير متجانسة في الانتماء للتراث".

تضيف "هذا ينتمي إلى غسان كنفاني، والثاني لأردوغان، والثالث إلى عمر المختار، كما أن عدم وجود شخصية وطنية موحدة تنتمي إليها الأجيال يزيد في التفسخ الوطني القائم".

بينما تنفي الطرشاوي وجود خطورة أصلا لأن الأمر لم يتم أصلا أثناء حكم حماس للقطاع ومع تشجيعها لتغير أسماء أماكن لمناضلين كان لهم الباع الأكبر في خدمة القضية من كل القوى الوطنية.

وفي ذات الإطار يوجه موسي طالب النصيحة لطلبه الإعلام خاصة الجدد بضرورة تثقيف الذات لمواجهة خطر الوقوع بمصيدة التضليل للرأي العام.

رغم كل المحاولات التي يفشل بعضها، ويمرر الآخر، لزامًا علينا أن نقتدي بكلمات المنارة الفلسطينية غسان كنفاني "أن الرموز يا سادة لا تموت، أبدًا لا تموت، وإن حاولتم اغتيال الأسماء"، فكما قال غسان كنفاني " الفكرة لا تموت".

 

كاريكاتـــــير