شبكة نوى، فلسطينيات
اليوم الاحد 13 سبتمبر 2026م11:21 بتوقيت القدس

زهر

عشرينية بثوب الفقر ووشاح الهجران

20 سبتمبر 2015 - 22:07
منال ياسين
شبكة نوى، فلسطينيات:

غزة-نوى-منال ياسين:

لم تحمل العشرينية زهر من اسمها سوى أحرف مبعثرة، ضيّعها خريف الحياة ليحيل عطرها إلي رائحة أشبه بالموت، شاحبة الوجه اختفى بريق عينيها على عتبات هجران زوجها ومسؤولية أبنائها الصغار.

وسط المدينة وتلوث الزحام، في ذاك الركن المكتظ بضجيج الشارع وأزيز محركات السيارات، تفترش زهر الأرض متربعة القدمين، تحتضن طفلها ذي العام الواحد بين يديها النحيلتين اللتين أنهكهما التعب، تفرش أمامها بضع سلع بسيطة تقتات منها، دبابيس وعلبة طلاء للأحذية وأغلفة للهوية وجوازات السفر، تلك هي تجارتها التي لا تسمن ولا تغني من جوع، رأس مالها 50 شيكل اقترضتهم مقابل تسديدهم من مبلغ البيع، ومربحها لا يتجاوز الـــــــ 20 شيكل.

زهر محمد ابنة الـــ23 ربيعاً، أقحمتها الحياة في صخبها عنوة، هجرها زوجها منذ 15 شهراً(عام وثلاثة أشهر)، بدعوى عدم قدرته الإنفاق عليها وعلى أطفالهم الخمسة، تقول :"بيتي مفتوح على مصراعيه، لم تبقى الحرب لي سوى غرفة واحدة، تركني زوجي ووجدت نفسي أمام مسؤولية أطفالي".

تسترسل في فضح تفاصيل جرحها الغائر :"يقتلني الرعب من الأفاعي والعقارب التي يمكن لها التسلل داخل البيت بسلاسة، فلا أبواب ولا شبابيك، قمت بوضع ألواح (الزينكو) فقط لتسترني وأطفالي".

روحها التائهة بين جدران الموت تأكلها العبرات :"أجلس وكلى خوف من أن ينهال البيت المتصدع على رؤوسنا، لا أملك كشافاً أو حتى شموع لأضيء عتمة المساء، أضطر لإشعال النار من الحطب الذي يلتقطه أطفالي من الشوارع كي أنير به ونأمن أنا وهم شبح العتمة، وأنا أطهو عليه عند عدم تمكني من تعبئة أنبوبة الغاز"

تزوجت زهر من كانت في الخامسة عشر من العمر؛ لتقطن مع زوجها في غرفة ببيت عائلته، كانت والدة زوجها تتلذذ بتعذيبها وضربها مرة تلو أخرى دون أي تحرك من قِبل الزوج، حتى حذا بها الأمر لترك البيت بعد عراك وصل للمحاكم.

تقول زهر :"كان زوجي يعمل في البناء إلى أن سقط على ظهره، ومنذ ذلك الحين لم يعُد يقوى على العودة لذات المهنة، لديه رخصة قيادة، كما أنه يجيد الخياطة، لكن وضع غزة لا يسمح له بالحصول على أي فرصة عمل".

صباحاتها مساءات مقفرة، تنام وتستيقظ وسط القبور، تضيف :"انتقلت إلى بيت تعود ملكيته لأمي، في ذات المقبرة التي تقطن، وكان ذلك منذ 3أعوام، والدي رجل سبعيني وهن العظم منه واشتعل رأسه شيبا،لا يقوى على العمل، لدي 10 من الإخوة،يعانون من وضع اقتصادي سيء، لا يمكن لهم الإنفاق عليّ وأطفالي".

كان لابد لزهر أن تكابد الأمرين كي تجد ما يسد رمق أطفالها الذين يكبرهم ابن الــــ8أعوام ويصغرهم ابن العام، تلعثمت الكلمات على عتبات شفتيها الغارقتين في بحر التوهان، وجفونها الغضة التي تشتبك ملؤها العبرات :"أذهب كل يوم جمعة إلى السوق كي ألملم ما قد تساقط تحت البسطات من الخضار، كما وألتقط رؤوس الأسماك والدجاج الملقى على الأرض كي أطبخه لأطفالي فهم لا يرون اللحم سوى في العيد، كما أنهم لازالوا بحاجة للنمو".

تتابع :"يرمقني المارة بنظرات الاستهزاء، بيد أنهم يعيبون عليّ القيام بذلك الفعل الذي يعتبرونه مشيناً فيما أعتبره أنا رزقاً ساقه الله لي كي لا أمد يدي وأتسول من أحد، فـــ (كبونة) الوكالة التي أحصل عليها كل 3 أشهر لم تكن تعوض صغاري كل ما يحتاجونه،كما وأنني ذهبت إلى الشؤون الاجتماعية كي تساعدني لكنهم طردوني واستحقروني ونعتوني بالشحّاتة".

زاد عليها الحِمْلَ، منذ ولادة محمد، فأجبرها على الخروج للشارع قاصدة تحصيل الرزق بعرق جبينها فلا مناص أمامها غير ذلك، فمحمد يعاني من نقص في الكالسيوم نظراً لعدم تقبله الرضاعة الطبيعية، لذا فهو يحتاج أسبوعياً لعلبة حليب خاصة يبلغ ثمنها  28 شيكل، ناهيك عن البامبرز الذي يبلغ ثمنه على الأقل 20 شيكل :"اضطررت لأجعل طفلي ابن الـــ8 أعوام يبيع أغلفة الهوية على الإشارة، كوني لا أستطيع تأمين كافة المصاريف وحدي".

بلسعةٍ في قلبها تتحدث :"ولدي عدي يبلغ 6 أعوام، لا حيلة لي بإدخاله الروضة، وأخبروني أنه لا يمكن لي تسجيله هذا العام في المدرسة دون شهادة الروضة، لا أدري ماذا أفعل وأنا بالكاد أأمن قوت يومهم البائس؟!".

تلك التجاعيد التي أتت على يديها تشير أنها امرأة تناهز الــــ70 من عمرها، كيف لا وهي لا تملك غسالة ولا حتى ثلاجة، اختصرت أمنياتها التي اختلط بشعورها الذي افترضته جدلاً بكره أطفالها للحياة :"أتمني أن أستطيع تعليم أطفالي كي يصلوا مراتب عليا بعيدين كل البعد عن الفقر والحاجة".

 

كاريكاتـــــير