كان واضحاً للجميع، ومنذ بدايات الأزمة اللبنانية، ونزول الناس للشوارع والساحات العامة، احتجاجاً على ما وصلت اليه البلاد، من صعوبات لم يعد المواطن قادرا على احتمالها. كان واضحاً بأن حركة الاحتجاج الواسعة، لا تلبس لبوساً طائفياً، بل على النقيض من ذلك، كانت وطنية صادقة وبالمعايير كافة. حاولت السلطة اللبنانية استيعاب حركة الاحتجاج لكنها فشلت في ذلك، فشلاً ذريعاً.
التركيبة السياسية اللبنانية، وكما هو معروف، هي تركيبة قائمة على صيغ ومحاصصات طائفية بالأساس، هذه التركيبة، تفشى فيها الفساد وتعاظم، وأصبح الفساد مؤسسة - إن جاز التعبير. يبدو أن السلطات اللبنانية، تفاجأت بما حدث، من حيث حجم المشاركة، ونوعيتها .. الجميع اللبناني شارك، بكافة طوائفه ومذاهبه. الجميع لحقه الضرر، ولحقته الحاجة، ولحقته البطالة والعوز. أخذت حركة الاحتجاج تتسع وتتعمق، والسلطات اللبنانية تتراجع أمام هذا الزحف السلمي والحضاري. ما حدث في الأيام القليلة الماضية، هو خطير بل وشديد الخطورة، تمثل ما حدث في نزول مجموعات مسلحة، تابعة لمليشيات معروفة، وقامت باستفزازات فاضحة، والاعتداء على نشطاء معروفين في حركة الاحتجاج. ويبدو ان هذه الاستفزازات والاعتداءات ستتزايد في الايام القادمة، رغماً عن نفي قادة الاحزاب التي تعمل تلك المليشيات في صفوفها. الهدف واضح من وراء تلك الاستفزازات والاعتداءات، وهو محاولة جر حركة الاحتجاجات العارمة، خاصة في الساحات العامة، لأتون الاشتباكات المسلحة، وعندها لن تكون حركة الاحتجاجات، حركة وطنية، بل انها ستعود الى بوتقة الطائفية..
ما حدث خطير للغاية، وبالمعايير كافة، وهو محاولة لإعادة عقارب الساعة الى الوراء، والعودة بشكل محدّث الى التصارع الطائفي، حفاظاً على الصيغة الطائفية في تركيبة الحكم.
باتت الأحزاب الكلاسيكية اللبنانية، على اختلاف مشاربها ومذاهبها، تدرك تمام الإدراك، بأن حركة الاحتجاج القائمة، لا ينحصر همها في ازالة القمامة من الشوارع فحسب، بل إن الامور هي أبعد من ذلك بكثير..
حركة الاحتجاج ترمي الى تغيير استراتيجي وجوهري في تركيبة الحكم اللبناني، لذا، ليس مستغرباً على الإطلاق ان تدافع تلك العينة عن نفسها، وحتى الرمق الأخير. ما حدث هو بدايات، لأحداث عنف طائفي، تهدف الى الوصول الى بوتقة الاقتتال الداخلي، والى الدمار الداخلي، دفاعاً عن حكم متهالك، فاسد وضار.
السؤال هنا، هل بإمكان حركة الاحتجاج السلمي، تجاوز ما يحدث والعبور بالبلاد الى فسحة الأمن والأمان؟!
للاجابة على هكذا تساؤل صعب ومعقد وشائك علينا إعادة قراءة المصالح الاقليمية وتشابكاتها في المنطقة، وبالتالي مقدار انعكاساتها على الساحة اللبنانية، وكما هو معروف، فالساحة اللبنانية، هي ساحة شديدة التأثير بما يدور حولها. وهنا نعثر على نقطة سلبية، ليست في مصلحة لبنان وأهله. وعلينا أيضاً ان نفحص مدى انحياز اجهزة الأمن والجيش، للسلطة اللبنانية الرسمية، واحتمال وقوفها الى جانب حركة الاحتجاج، كما حصل في جمهورية مصر العربية.. اللوحة اللبنانية، شديدة التشابك والتعقيد، واحتمالات الانفجار توازي احتمالات التهدئة!!
























