معروف أن مفهوم الصحة العامة مفهوم شامل يقوم بالأساس على مبدأ الوقاية من الأمراض وليس علاجها، ويشمل ذلك مفاهيم مثل التغذية الصحية، النشاط الحركي، صحة المرأة والطفل، السياسات الصحية، سلامة المهنة، وصحة البيئة، وغيرهما، وهذا يهدف في المحصلة لتجنب انتشار أمراض معدية او أمراض مزمنة لها علاقة بالغذاء والسمنة، والحركة، والتلوث، وضغط العمل والحياة وما الى ذلك، ومن المعروف ان هناك مجتمعات ترزح وبقوة تحت وطأة الأمراض المعدية مثل السل والإيدز والملاريا، حيث تفتك سنويا بالملايين من الناس وتحول دون تطور ونمو هذه المجتمعات، وكذلك هناك العديد من الأمراض المزمنة التي باتت تشكل أعباء كثيرة على كاهل المجتمعات، سواء أكانت هذه الأعباء اقتصادية او اجتماعية او صحية، ومنها أمراض الزهايمر والاكتئاب والسكري والقلب والسرطان.
وفي بلادنا، فإن جهود الهيئات الصحية الرسمية وغير الرسمية والتعاون الوثيق بين العديد من هذه الجهات قد نجح في الوقاية والحد من انتشار الأمراض المعدية الفتاكة مثل أمراض الإيدز والسل والأمراض الأُخرى المنقولة جنسياً، حيث لا يتعدى عدد الحالات من هذه الأمراض العشرات، والاهم هو التركيز على مبدأ الوقاية او منع حدوث هذه الأمراض، وعلى مبدأ توفير العلاج والرعاية للحالات المرضية الموجودة وان حدثت، حيث اصبح العلاج الآن وعلى سبيل المثال متوفراً لمرضى الإيدز والسل في فلسطين، وبالتالي أدى ذلك إلى تجنب الوفيات التي كانت شبه مؤكدة خلال السنوات الماضية، والتي ما زالت تحدث بوتيرة متسارعة في مجتمعات أُخرى، وبدون شك فإن الوصول إلى هذا الوضع قد تم بجهود المؤسسات الصحية الرسمية وغيرها، وبالتعاون والدعم من الصندوق العالمي لمقاومة هذه الأمراض والذي يشرف على تطبيقه برنامج الأمم المتحدة الإنمائي في فلسطين بالتعاون الوثيق مع وزارة الصحة الفلسطينية.
وفي تقرير صدر قبل فترة، لجهاز الإحصاء المركزي الفلسطيني، كان ملفتا ما تم ذكرة عن تزايد في عدد المصابين الفلسطينيين بالأمراض المزمنة، بمعدل حوالي 6% سنوياً، وان حوالي 18% من الفلسطينيين الذين أعمارهم 18 سنة وما فوق، يحملون مرضاً مزمناً واحداً، وهذه المعطيات يبدو انها تتماشى مع ما يتم في بلدان العالم الأخرى، حيث أصبحت الأمراض المزمنة هي أمراض العصر، وما لها من تبعات عديدة، فأنماط الغذاء السريعة غير الصحية، وسهولة الحركة، ومتطلبات الحياة المتزايدة وبسرعة، كل ذلك وربما يضاف إليه عبث الإنسان بالنظام البيئي والطبيعي، من تلويث للهواء والماء والطعام، ومن الإسراف في استخدام الكيماويات في الزراعة والصناعة والصناعات الغذائية ربما أدى إلى الوصول إلى هذا الوضع.
ومن الأمراض المزمنة التي باتت تنتشر في المجتمعات ونحن منها، والتي تؤرق وتستنزف موارد العديد من الدول في العالم أمراض السرطان بأنواعها المختلفة، والمحزن أنه إذا وجدت أدوية أو علاج كيميائي فإن هناك أمرين هامين، الأمر الأول كيف يتم إيصال الدواء أو المادة الفعالة إلى الجزء المصاب أو الورم، ولهذا السبب فإن معظم أدوية السرطان تعطى عن طريق الحقن أو من خلال الشرايين، والأمر الثاني هو أن الدواء الذي يمكن ان يقضي على المرض أو يوقف نموه وانتشاره، يمكن أن يكون له مضاعفات سلبية، ومن الأمراض المزمنة الأُخرى، أمراض القلب، والضغط، والسكري، حيث في عصر تقل فيه الحركة، وممارسة الرياضة، وبالتالي تزداد البدانة، وتجلب معها أمراض السكري، الذي باتت نسبة الإصابة به في بعض الدول العربية من اعلي النسب في العالم، وللسكري مضاعفات، على القلب، الكلى، وربما النظر، والمهم على الصحة العامة.
ولا شك أن «البدانة» لها مسببات، ومن أهم الأسباب هو اتباع نظام غذائي غير سليم، من استهلاك مواد تعج بالدهنيات والمواد التي تتراكم في الجسم وفي الشرايين، وما إلى ذلك من آثار قصيرة وبعيدة المدى، وقد ذكرت صحيفة «نيويورك تايمز» الأميركية قبل فترة أن دولة قطر تحتل المرتبة السادسة في «البدانة» على مستوى العالم، وما يمكن ان يجر ذلك من أمراض مثل «السكري، والأسوأ في هذا المجال أن البدانة أصبحت متلازمة كذلك ليس فقط لكبار السن، ولكن للصغار ومنهم طلبة المدارس، حيث تزداد بينهم وباستمرار، وهذه الأرقام مُخيفة في هذا العمر، لأن داء «البدانة» سوف ينتج عنه آجلاً أو عاجلاً، مرض السكري أو أمراض لها علاقة مباشرة أو غير مباشرة، ورغم كل الأبحاث إلا أن أمراض القلب ما زالت القاتل رقم واحد للناس في الولايات المتحدة، وما زالت أمراض الضغط وأعداد المصابين بالسكري في تزايد. ومن الأمراض المزمنة الأُخرى والتي ليست بالبعيدة عنا، أمراض الاكتئاب، والتي تزداد بشكل كبير ولم تعد حكرا على دول معينة، وغالبية المصابين هم من صغار السن، او الشباب، ومرض الزهايمر، وهو مر ض تدريجي، أي يبدأ الإنسان بفقدان الذاكرة وبهدوء، وببطء، وهذا من الأمراض المدمرة، ومن أكثر الأمراض كلفة على الفرد، وشركات التأمين، والحكومة.
ورغم الصورة القاتمة لانتشار الأمراض المزمنة، إلا أن هناك آمالا، لأن هناك أبحاثاً أو دراسات في محاولة لإيجاد حلول لأمراض باتت تؤرق الجميع في العديد من المجتمعات ونحن في بلادنا لسنا بالبعيدين عن ذلك، ويبدو أن الوقاية، سواء في دول العالم المختلفة او هنا في فلسطين، هي أفضل العلاج من أمراض العصر الحديث، سواء أكان من الأمراض المعدية او من الأمراض المزمنة.
























