غزة-نوى-شيرين خليفة:
احتدم الاختلاف في الرأي بين الحضور من الصحافيات والصحفيين حول مدى الضوابط الأخلاقية المهنية التي يتوجب على الصحفي الالتزام بها على مواقع التواصل الاجتماعي؛ بين من اعتبرها صفحات شخصية بالكامل ومن أصرّ على ضرورة وجود ضوابط تحكم النشر من خلالها.
هذه الآراء وأكثر تم طرحها في مؤتمر بعنوان "أخلاقيات النشر على وسائل التواصل الاجتماعي للصحفيين والصحفيات"؛ نظمته مؤسسة فلسطينيات بمدينة غزة بالتعاون مع مؤسسة هنرش بل الألمانية؛ بحضور ومشاركة عشرات الصحافيين والصحافيات، تبنى الرأي الأول فكرة حرية الصحفي الكاملة عبر وسائل التواصل الاجتماعي دون تدخل إلا في حال وقوع جريمة قذف، ورأي يعتقد بأن الصحفي عبر وسائل التواصل مطالب بالحفاظ على أخلاقيات مهنة الصحافة رغم عدم وجود مدونات ومواثيق شرف تواكب هذا التطور.
افتتحت المؤتمر مديرة مؤسسة فلسطينيات وفاء عبد الرحمن في كلمة لها عبر سكايب من رام الله، لترحب بالحضور، مؤكدة أن المؤتمر يأتي استجابة لحاجة ملحّة طرحها الإعلاميون والإعلاميات في نقاش موضوع أخلاقيات النشر، وكذلك جانباً من اهتمام المؤسسة بهذا الموضوع المهم والذي سبقه تنفيذ تدريب حول أخلاقيات الإعلام والمساهمة في إعداد دليل لأفضل الممارسات المهنية في العمل الصحفي.
وأعربت عبد الرحمن عن أمنيتها أن يتمكن المؤتمر من الخروج بإجابات على كل الأسئلة المثارة حول هذه القضية، وأن تسهم النقاشات الجدية بأن تكون خطوة قادرة على التشخيص وتقديم اقتراحات عملية تستطيع المؤسسة تبنيها، وأوضحت عبد الرحمن بأن دليل افضل الممارسات المهنية للإعلاميين يتضمن جزءاً يتحدث عن اخلاقيات النشر عبر وسائل التواصل الاجتماعي.
ونفت عبد الرحمن أن تكون فلسطينيات تنادي بقوانين إضافية يمكن أن تقيّد حرية الرأي والتعبير لكنها اكدت بالمقابل أن الأخلاقيات قد تكون مكتوبة، وان دليل أفضل الممارسات المهنية فيه جزء يتحدث عن الإعلام الاجتماعي.
في الجلسة الأولى قدمت الناشطة مرح الوادية عرضاً لخصت فيه الانتهاكات التي تعرض لها بعض نشطاء مواقع التواصل الاجتماعي خلال الشهور الثمانية الماضية، في الضفة الغربية وقطاع غزة، مشيرة إلى أن الأشهر الماضية فقط شهدت 108 تجاوزاً بحق نشطاء عبر مواقع التواصل الاجتماعي.
الجلسة الأولى
الصحفية ميرفت أبو جامع بدورها قدمت ورقة عمل بعنوان، "لماذا أخلاقيات النشر ولماذا مواقع التواصل الاجتماعي"، أن هذه المواقع باتت مصدراً مهماً للأخبار، فاتجاه الناس اليوم بدأ يزيد نحو استخدام تلك الشبكات لأغراض متابعة الأخبار، وهو ما أشارت اليه نتائج دراسة بحثية شملت 2053 شخص تبين أن 63% منهم يستخدم تويتر وفيس بوك للحصول على الأخبار.
وأضافت :"هنا تكمن أهمية ممارسة والتزام الصحفي بأخلاقيات المهنية على هذه الشبكات، لأن إخبار الناس بمعلومات خاطئة من شأنها نشر الشائعات، وزعزعة أمن المجتمع، فالصحفي يجب أن يتحرى الدقة والمصداقية في نقل أخباره أو التعليق عليها، وغيابهما يعرضه للمساءلة والتهديد لحريته في الرأي والتعبير".
تشرح أبو جامع بان التجارب العالمية في استخدام الصحفيين لمواقع التواصل الاجتماعي يخضع بشكل عام إلى المواثيق الأخلاقية، فالصحفي ليس حراً في الفضاء الافتراضي لسببين اولهما انتمائه لمؤسسة حريصة على صورتها وثانياً المسئولية الاجتماعية للصحفي باعتباره فاعلاً يقوم بدور أساسي في المجتمع.
الجلسة الثانية
الجلسة الثانية للمؤتمر شهدت موجة تجاذب أعلى بين من وجّه سهام النقد لنقابة الصحفيين التي لا قالوا أنها لا تضطلع بدورٍ كافٍ في هذا الشأن، مؤكدين أهمية إجراء انتخابات نقابية، وبين من لام مكتب الإعلام الحكومي الذي لم يحمِ الصحفيين بما يكفي.
في ورقة العمل الأولى تحدثت الصحفية حنان أبو دغيم حول :"مبادئ النشر على وسائل التواصل الاجتماعي الوضع المثالي"، أكدت أن وسائل التواصل الاجتماعي أصبحت مهمة للصحفيين ومصدراً للمعلومة في بعض الأحيان ووسيلة استطلاع للرأي، مؤكدة أن العديد من الدول ذهبت باتجاه تطوير مواثيق الشرف الأخلاقية وأدرجت بنوداً تتعلق بالإعلام الاجتماعي.
وأضافت بأن هذا إقرار من الوكالات الكبرى بأن ما ينشره الصحفي يأخذ طابع العمومية ويخضع لنفس أخلاقيات المهنة التي يلتزم بها الصحفي أثناء عمله التقليدي، إذ من الصعب الفصل بين شخصيته كصحفي والفضاء العمومي.
ونوهت أبو دغيم إلى أننا كصحفيين أحياناً نسيء استخدام وسائل التواصل الاجتماعي بالكلمات التي تكتب وبعضها لا يراعي الآداب العامة والمسئولية الاجتماعية.
وفي كلمة لمكتب الإعلام الحكومي بعنوان "كيف يتعامل الإعلام الحكومي مع النشر على وسائل التواصل الاجتماعي، تحدث سلامة معروف أن ما يكتبه الصحفي عبر وسائل التواصل الاجتماعي تدخل في إطار حرية الرأي والتعبير، حيث يخضع الصحفي للعديد من الضوابط أولها الضبط الذاتي ومن ثم مواثيق المهنة وأيضا بيئة الانقسام التي أثرت عليه وأخيراً البيئة القانونية التي تعاني من التراجع وعدم الاكتمال، باعتبار أن القانون الوحيد الذي ينظم الحالة الاعلامية الفلسطينية قانون المطبوعات والنشر.
وتابع بأن مكتب الإعلام الحكومي أصبح يقوم بدور النقابة في حل الإشكاليات التي يتعرض لها الصحافيون، وكان يتدخل لصالح الصحفي، مضيفاً ان مكتب الإعلام الحكومي ضغط من أجل تحقيق اتفاق مع النيابة العامة أن يتم حل قضايا الصحفيين من خلال مكتب الإعلام الحكومي وليس النيابة.
إلا أن معروف أشار إلى أن المكتب يجد نفسه محرجاً احياناً بشأن أخطاء يقع بها الصحافيون تخالف أخلاقيات المهنة وآداب المجتمع من سباب وشتائم.
بدوره قال نائب رئيس نقابة الصحفيين د.تحسين الأسطل في ورقة حول دور نقابة الصحفيين في حماية الصحافيين، أنه لا دخل للنقابة في من يتحدثون عبر وسائل التواصل الاجتماعي، فهناك ميثاقاً يضبط أخلاقيات المهنة تعارف عليه الصحافيون.
وأضاف بأنه في التعامل مع قضايا النشر يفترض بالنيابة إبلاغ النقابة وليس مكتب الإعلام الحكومي، لكن هذا لم يحدث، مشيراً إلى أن صفحة الصحفي عبر مواقع التواصل الاجتماعي تبقى شخصية لكنها يجب أن تتحرى الأخلاق العامة والالتزام بالذوق العامة.
النقابة والقانون
وقال الأسطل بأن النقابة تعرضت للكثير من المضايقات في عملها بسبب الانقسام، لكنها واصلت العمل على الدفاع عن الصحفيين وإصدار التقارير الخاصة بالانتهاكات التي يتعرضون لها، فالصحفي لا بد أن يمارس عمله بحرية بعيداً عن التضييق وكل ما يتعرضون لها مدان أياً كانت الجهة التي ترتكب الانتهاك.
وعارض الأسطل فكرة سن قانون يحد من النشر عبر مواقع التواصل الاجتماعي، مؤكداً أن النقابة تعمل مع العديد من المؤسسات من أجل ضمان حرية وكرامة الصحفي.
أما المحامي جميل سرحان، من الهيئة المستقلة لحقوق الإنسان، فأصر على أن الصحفي حر في ما ينشره على صفحته الشخصية، فالنكت السياسية التي تنشر هي صوت الشارع الذي يتحرك بطبيعته في حرية الراي والتعبير والتي تحاول الحكومات اخمادها.
وأضاف سرحان بأن الناس لديهم إسقاطات فتتعامل مع ما يعجبها على أنه أخلاقي وما لا يعجبها تعتبره غير أخلاقي، وإن العلاقة بين مستخدمي شبكات التواصل الاجتماعي قائمة على الإيجاب والقبول.
وشدد على أنه لا يجوز لقوى الردع التدخل في الصفحات الشخصية، فمثلاً صحفية شتمت حكوميين لا يراعون صحة الناس، ومثلها تؤخذ على اصحاب المواقع لا بذاتهم بل بصفتهم بحكم مهنتهم.
لكنه وضّح أن الأمر غير متروك دون قيود، لكن القيد الوحيد هو ما ورد في قانون العقوبات مادة 203 والتي تنص صراحة على أن تجريم القذف وهو أن يسند إلى شخص جريمة لم يرتكبها.
وأضاف أن المعيار في ما ينشر عبر وسائل التواصل الاجتماعي هو الحقيقة والأخلاق، وأحياناً الإنسان يتحدث عبر صفحته بصوت عالٍ، بالتالي لا يجوز الاستدعاءات ولا حبس الصحفي.
وتساءل سرحان :"الغريب أن الأمن يستقوي على الصحفي قبل الجميع، لا يجوز مصادرة ما يقوم بتصويره الصحفي ولا التعدي عليه واحتجازه، الصحفي لا يجب أن يحبس وهذه هي القيمة التي نرتضيها له".
























