كتب – عادل سمارة
معركة جديدة، رغم عدم حسم معارك عدة. ما فائض الوقت هذا؟ ولكن لا بأس طالما المثقف لا يحمل السلاح فليشتبك بالقلم ولكن حبذا لو يكون الاشتباك فكريا حقيقيا لا اقتطاع لحظات من سياق التاريخ.
الحديث عن مشرق متميز ومتعال على العروبة يحتاج نقاشا موسعا. ولكن إلى دعاة المشرق: هل حكام المشرق يمثلون الطبقات الشعبية فيه؟ هل الحريري مشرقي ومقاتلي الجيش السوري مشارقة؟ هل الملياردير منيب المصري يمثل مخيمات اللاجئين الفلسطينيين؟ ناهيك أنه صديق حميم للراسمالليين الصهاينة؟ ما المشترك بينهم غير التناقض التناحري؟ هل يمثل ملك الأردن فقراء معان؟ هل برهان غليون مشرقي يمثل العمال السوريين؟
ثم أليس أكثر أعضاء رابطة الكتاب الأردنيين قد خاضوا الانتخابات ضد الرئيس الأسد؟ أليس الجميع مشارقة؟
ثم ما هي جغرافية هذا المشرق؟ ما اعتدنا سماعه أنه يشمل الجزيرة مع الهلال الخصيب (صار خضيبا بالدم- لكن دم الفقراء وليس مثلا دم عبد الحليم خدام أو بسمة قضماني ، أليست مشرقية بسمة هذه؟) وأحيانايشمل وادي النيل. لا بأس، ليس هذا الموضوع. من قال للمشرقيين أن النزعة المتخلفة/المشبوهة اردني-فلسطيني قد ماتت؟ اسمحوا لي: فالرانخين في التخلف/والعمالة بوعي أو لا وعي من الطرفين متمسكين بها حتى لو بالتعاون مع الصهيوني. من قال ان اللبناني يعتبر السوري بطول قامته؟ ناهيك عن اللبناني الفينيقي! بالله عليكم هل ستطلقون علي النار لو اقترحت ضم الصومال للعروبة وصولا إلى المشرقية؟
عام 1986 حينما اشتعلت الحرب بين ليبيا وتشاد على منطقة حدودية، وأرسلت منظمة فلسطينية (اعتقد القيادة العامة-جبريل) مقاتلين إلى هناك، كتب شيوعي مشرقي يرفض ذلك ويدين جبريل. كتبت ردا عليه في صحيفة العرب ان هذه خاصرة من خواصر الوطن العربي. في تلك الحرب تواطىء حفتر وقيل أنه أُسر، وذهب إلى امريكا وعاد "بطلا" بعد تدمير الناتو ل ليبيا. حينما أُعدم العقيد القذافي على ايدي الهمج كانت القيادة العامة وحدها من المنظمات الفلسطينية (جميعها مشرقية) التي بلعت من القذافي ربما مليارات، هي الوحيدة التي نعت الرجل. كتب البعض لأنه كان يمولها. جميل شكرا له هذا واجبه وبالتالي عليها واجبا.
وإذا كانت الحجج بان الكفرة آتون من الجزيرة، فإن حواضنهم من المشارقة في سوريا والعراق وهنا في الأرض المحتلة من يهتفون لهم في المساجد! الحواضن حتى في الحواضر! أم تعتقدون بانه لا يوجد في سوريا تكفيريين/ات؟ بل ابعد، أليس الائتلاف سوري؟ أليسوا هم الذين يستجدون الكيان لإسقاط سوريا ويعرضون على الكيان الجولان!
حاولوا التفكير بأنكم تنزلون لما دون الطوائف باتجاه نظام عثماني سناجقي جديد. عام 1991 وحينما بدأ الحديث عن دولة اوسلو-ستان، ودخل مصطلح الصراع الفلسطيني-الإسرائيلي بدل العربي الصهيوني، كتبت في مجلة كنعان يبدو ان الصراع سوف ينتهي إلى تقزيمه بتسميته (صراع عائلة الحسيني-والصهيونية). إذا كان دعاة المشرقية يرون سوراقيا ارقى من الربع الخالي، فليسمحوا لنا بالتذكير أن اليمن اقامت سد مأرب، أليس هذا عمرانا؟ هل بعد هذا ستوسعوا الفرجار لضم اليمن! بالله عليكم الشمالي ام الجنوبي؟ ثم ماذا عن الطائف، اليست راقية وناعمين أهلها؟
إن ما يدمر الهوية العربية هي انظمة التجار الكمبرادور التي تقوم بتخليع مختلف بؤر الإنتاج. إن ما يلعب الدور الأساس في تحليل او تركيب الهويات هو نمط الإنتاح وما تتبعه او تتداخل معه من علاقات الإنتاج. من هنا فإن نمط التلقي الريعي قد خلق حالة خطرة ليست الناس في الخليج هي السبب وإنما الحكام ومعلميهم. الإستعمار جعل من الريع أداة احتلال العقل والنفسية في الخليج عبر حكام ضد الإنتاج والعمل، ضد الوطن والأمة. حكام يوزعون المال على جزء من الناس كي يشتروا منتجات الغرب في تعميق للنزعة الاستهلاكية الخطرة، فيسمنون، ثم يمرضون ثم يتعالجون في الغرب وفي كل خطوة يدفعون مالا. وفي فلسطين زرع الاستعمار الكيان لاستعمار فلسطين. في كل مكان زرع قاعدة ما.
ليست الناس في الخليج هي التي اختارت تخصيص فائض الريع للأكل والجنس وتثقيف بالوحشية الوهابية كي يصدر لنا غلمان آل سعود وغلام قطر وعجائز الكويت والبحرين وليس أهل الخليج فائضين:
• فائض الشباب المشحون بالوهابية والموت لكل شيء
• وفائض الريع على شكل سلاح واستهلاك وتدريب ودبابات للتكفيريين.
إن من فعل هذا هم الحكام وحاكميهم؟
هذا بدل ان يتم استثمار الريع في زراعة السودان وتصنيع مصر.
في عام 1985 حضرت ندوة في لندن بعنوان (عرب بلا نفط) كان يديرها عبد المجيد فريد سكرتير عبد الناصر سابقا. تحدث فيها عبد العزيز الزامل وزير التجارة والصناعة في السعودية.
حاولت السؤال طويلا وتجاهلني فريد لأنه لا يحب إزعاج الوزير. احتج رجل كبير السن بلهجة عراقية فسُمح لي بالحديث:
قلت له لماذا لا تستثمروا الفئض في السودان ومصر؟
كان الرجل لبقا فاختار بين أن يرفض سؤالي وبين أن يقتله آل سعود فقال: "يا اخي راس المال جبان". (لو كنت مشرقيا لقلت له: لا ارجوك أنا مشرقي ).
الأهم حينها أن الاحتجاج جاء من حوالي 40 عضو مجلس لوردات انجليز كانوا في المقدمة يلبسون البدلات السوداء ويضعون مناديل بيضاء في الجيب العلوي على يسار الجاكيت...الخ. جميعهم معا قالوا Oh No No No….
طبعا لهؤلاء الأوغاد طقوسهم الخاصة يتصنعون الهدوء والرصانة فحين تدغدهم في الصباح يضحكون في المساء ولا يُستفزون بسرعة. لكن سؤالي استفزهم فوراً لسبب واحد لأنهم يعرفون ما يريدون ويطلبون منا استشراقيا أن يُعرِّفونا هم بأنفسنا وما نريد. يعني يريحوننا من التفكير فيفكرون عنا. أما نحن فنقتتل ونأكل ونُنجب.
طبعا فريد الذي كان يدير مجلة الباحث العربي في لندن قطع علي الرد عليهم!
لو قلنت لكم أن العشرات من الجزيرة العربية قاتلوا في لبنان 1982 شبابا وصبايا، هل كان يجب طردهم؟ ناهيك عن اليمانيين وعرب المغرب الكبير. مسكين المغرب مرفوض طلب عضويته في نادي المشرق الجديد.
بينما عزمي بشارة وغليون والقرضاوي والغنوج هيثم مناع مشارقة تماما كما ترون.
والغريب، أنكم بدل أن تتفهموا بعض انفتاح القومي السوري على البعد العروبي تعتبرون ذلك امرا سلبيا؟
لعل الغريب أنه حينما تشتد الهجمة يذهب البعض إلى إشعال تناقضات داخلية سواء كانت نائمة أو متحركة. ما الهدف؟ إن كان تمرينا عقليا، فشكرا، ليس أوانه.
يذكرني موقف هؤلاء بما طرحه قبل عامين السيد أنيس نقاش، حين قال على الفضائية السورية وعلى المنار، بان المطلوب اتحاد ما بين إيران وتركيا والعراق وسوريا. وحين سأله المذيع لماذا لا يكون اولا اتحاد عراقي سوري؟ فقال لا :" لا ما بيطيئوا بعضُن"؟ واستأنف ضد القومية العربية. ولم تعترض اي من القناتين. وقد كتبت نقدا له في كنعان الإلكترونية حينها.
في بريطانيا يبدأ التلفاز برامجه: صباح الخير بريطانيا العظمى Good morning Great Britain
هذا رغم أن ليس جميع سكانها قومية واحدة!
وأتذكر هنا إصرار الزميل سمير أمين على القول حضارة إسلامية عربية وليس عربية إسلامية، وأخشى أنه في هذا تحت تخديرات التروتسك.
أختم بالأهم. إن المشترك العربي أمر لا يمكن إخفائه حتى لو باللغة والجغرافيا والتاريخ وطموحات الطبقات الشعبية. وبان القومية العربية منقسمة بين موقفين وفهمين:
• قومية الطبقات الحاكمة، وهي قطرية إقليمية تفكيكية تابعة ومشبوهة
• وقومية الطبقات الشعبية وهي عروبية وحدوية واشتراكية
هذا هو موقع الصراع الحقيقي تراه الثورة المضادة فتُهيل عليه التراب عبر الحروب الصهيونية والغربية والتكفيرية ويهيل عليه الطابور السادس الثقافي تراب ثقافته المتخارجة، ولا يراه فريق من مثقفي اليسار العرب فيقعوا في برزخ بين العروبة والطائفية ليجدوا انفسهم في خانة الجناح السري للطابور السادس الثقافي. شاؤوا أم أبوا.
























