حيفا - «أيام الثقافة»:
صدر حديثا عن راية للنشر والترجمة بحيفا ديوان جديد تحت عنوان «سيدة البياض» لرجاء غانم.
تقدّم رجاء غانم مجموعتها المنشورة الأولى بعد نشر ممتد على ما يزيد على خمسة عشر عامًا، في الصحف والمواقع الثقافية، ومشاركتين في مختارات شعرية فلسطينية، «ضيوف النار الدائمون» (بيروت، 1999)، و»نوارس من البحر القريب» (الجزائر 2006).
وجاء على غلاف ديوان غانم: «تنتمي كتابة رجاء غانم إلى اللحظة الفلسطينية الراهنة، بكامل ألمها وخيباتها وآمالها أيضا، وهي حين تتكئ على الواقع فإنما لتعيد تصفيته وصقله ليتحوّل إلى مادة شعرية قادرة على إثارة الدهشة كل مرة من جديد».
في «سيدة البياض» تحضر أمكنة متعددة ومناخات مختلفة هي عصارة تجربة الشاعرة الخاصة وحياتها المنتزعة من أكثر من مكان، هكذا تحضر الشام، مدينة الطفولة والشباب، ورام الله - استراحة المحارب، والداخل الفلسطيني الذي تقيم الشاعرة فيه خلال السنوات العشر الأخيرة.
وبالتوازي مع التنوّع المكاني في قصائد المجموعة، تتنوّع موضوعاتها من الحب والألم والفقدان إلى التأمل الوجودي والرغبة والموت، بلغة رشيقة وجذلة وصور شعرية مبتكرة».
من المجموعة نختار:
العصفور
=====
أريدُ حباتِ كرزٍ تحرسُ غيابهُ عن مشهدِ الصباحِ
فنجانَ قهوةٍ
يحمصُ الوقتَ
على مهلٍ
العصافيرُ تشاركُ في مظاهرةٍ جماعيةٍ
تقيمُ احتجاجَها على قيامِ النهارِ
من قالَ إنها معنيةٌ بإيقاظِ الكائناتِ؟
تتورطُُ الكائناتُ جهراً بقصة العصافير
ولا تلتفتُ إلى نواياها
يحبُّ العصفورُ أحياناً أن تكون له أسرار
يخفيها عنا في عش بعيد
يشتركُ العصفورُ في التوازنِ البيئي
وفي خللِ الكائناتِ الضاربِ إلى المنطق
وفي القلب
يتركُ غناءَهُ الحزينَ في كل مساءٍ
مادةً لعزفِ أحلامٍ لا تنتهي
أيها العصفورُ
يا شريكَ الفضاءِ والجناحِ
كم مرةً ستعبر هذا المنتهى حتى تصلَ رسَالتكَ؟
كم مرة ستفقدُ الحنجرةَ حتى يصلكَ المعنى؟
كم مرةً ستموتُ في الأزرق لتدركَ أخيراً
أنكَ كائنٌ أرضيٌّ؟
21/11/2010
****
أرق
===
تستيقظ في الثالثة صباحاً
جسد مغطى بالفراشات واليباس
وذكريات تتلألأ كسجادة قديمة لم يزدها الزمن إلا ألقاً
وحيد دون هذا العالم
تضع كوباً من الشاي
وبيد أخرى تتلمس السماء وأسماء الله الحسنى
وحيد
كما يليق بإنسان القرن الحديث
وحيد
كاسوارة عروس لم تزين أية يد
وحيد حتى الشهقة الأخيرة لحرف الحاء في الكلمة
وحححححححححححيد
كبيضة طائر ضاعت بين الرمل والورق الجاف
وحيد
كما يليق بشاعر يستيقظ في الثالثة صباحاً
ليطمئن أن قصيدته نائمة بعمق
في قلب هذا الليل الموجع.
وحيد
كفتيات الحقول يقطفهن القطن والأغاني
وينتظرن
حبيباً يعرفن أنه لن يعود
وحيد
كسلة تين خبأتها الأم بعيداً عن شقاوة
الأولاد في العائلة الفقيرة
وحيد
كحبات مطر تجمدت
فوق الأغصان الغريبة
غريب
كما يليق بوحدتك النبيلة
وبمعركتك النبيلة
وبقبرك الأخير النبيل
وأنت تراه أمامك في الساعة الثالثة فجراً.
***
الحب
===
سأحبك كثيراً أيتها الحياة. سأحبك ونتصالح بما يليق بحبيبين طائشين يعودان للعتاب والدموع ..أطعنك في خاصرتك أمسح وجهي بدمك وهكذا نتمم علاقتنا الطائشة بما يليق بحبيبين يائسين.
النهر
----
يمدُّ النهر أصابعه الشفافة فوق كل شيء. خارطته المائية كريمة كما وسامته.
أيها النهر؟ أتظن أنك كريم بما يكفي؟ تعال إليّ متأخراً في الليل وراقب أنهاري.
الزهرة
---
لا شيء يدينني أبداً فقد اشتريتك بالسعر المعقول الذي وضعه شاب اسمر يفترش رصيف سوق الخضار.
لا شيء يدينني أنا المواطنة السوداء من أصل عربي الموظفة المجتهدة التي تدفع كامل ضريبتها وتؤدي واجبها تجاه الدولة التي تشقى لشراء أسلحة لدفن شعبها وثلث أحلامها.
لا شيء يدينني إذ أشترك في حفلة إعدامك فأنا مثلك بحاجة لواجهة ما تلوّن قبري الوحيد في آخر الليل.
الثوب
----
لا شيء يقيس الزمن إلا الثوب ..تمضين في عقدك الرابع متعثرة بكومة من الأحلام المؤجلة لا هم لديك سوى فاتورة الكهرباء والحارس اللعين في عملك الذي يتلصص على سوتيانك الأسود.
الثوب يرفض جسدك، يقول إنك تكبرين، وإن الحياة أصبحت أكثر اتساعاً من ملعب كرة السلة الذي افترضت أنه الكون.
الثوب الضيق يقول لك أشياء مبهمة لا تفهمين منها سوى أنه يجدر بك الشعور بالارتياح عندما يتلصص الحارس اللعين على سوتيانك الأسود.
بينكي
----
قطتي الأنغورا الفاخرة ..رمز البلادة والكسل. ارتباطي المختل بعالم أعرف فيه كيف أقيم علاقة متوازنة مع قطة بينما أخسر صديقة عزيزة في أقل من محادثة هاتفية.
بينكي تهدد كياني كله وتوازني مع هيولا الكون وطاقته العليا وتؤكد لي كل يوم أنني كنت في حياة سابقة مجرد قطة تعشق الكسل والبلادة وتعاني اليوم في عالم جدي مصمم على السير نحو الهاوية.
الشرايين
------
أتعجب كثيراً من لون شراييني الأخضر الغامق، أتأملها بين الحين والآخر وأزهو للدم المطمئن الساري فيها والذي يؤكد أنني ما زلت ذليلة لابنة الكلب المسماة: حياة.
أرقبها وأراها رمزاً لنبض العبودية لخضوعي التام وقبولي الكامل بحياة لم أخترها ولا أستطع الفكاك منها.
كم هم أوفياء هؤلاء الذين يقطعون بضربة واحدة هذه الشرايين إذ لا بد من كائنات تعيد للأصالة وجهها الأول لا بد من كائنات تقول كفى للوقاحة.
المخدة المطرزة
----------
لا أتعلق عادة بالأشياء المادية وخاصة التي ترمى أو توضع في البيوت ولكن لي مع هذه المخدة قصة عشق لا أفهمها أحرص عليها وأهدهدها بدل أن تقوم بالعكس كما لو كانت روحاً تسكن في بيتي.
استباحت ابنتايّ مخدتي المطرزة، كما وسمحتا للكلب أن يتمرغ بها وربما بال عليها نظراً لجمالها اللعين. أتأملها وقد انتهكت على مرأى ومسمع مني دون أن اعترض أو حتى أشتم ..مرة أخرى أعرف عن طريق ابنتيّ كم أنا وغدة وصامتة ومتواطئة مع كل هذا الخراب الكوني الذي اسخّر كل صوتي وبكائي ونحيبي وشعري للاعتراض عليه.
الغيمة
-----
كلما مرت غيمة فوق البيت غضبت وحزنت ..منذ زمان بعيد تعلمت لغة الغيم وكنت استطيع التحدث «إليهنّ» بل وشرب القهوة معاً.
منذ أن ماتت أمي لم يعد الغيم يكترث لي، انتظره وأعد القهوة وأصرخ بملء فمي لينتظر قليلاً ونتحدث لكنه يمضي كما يمضي أي مسرع إلى عمله دون الالتفات إلى وجوه الغرباء.
قنديل الكاز
------
لسنوات وسنوات نمت علاقتنا أنا وقنديل الكاز. نمت وتعمقت تماماً ككل البشر الذين يقطنون عالماً ثالثاً تغيب الكهرباء في أغلب لياليه الشتائية الطويلة.
دربتني أمي كما يليق بكل الأمهات العنيدات على تدليل قنديل الكاز، تنظيف زجاجه، قص فتلته بصبر واعتناء وأنا أكملت مهمتي، بنت مطيعة في البلد المقاوم التي تبني مستقبلها على ضوء قنديل الكاز.
لم يبقَ من تلك الليالي سوى البلد المُقاوم ويدي التي ترتجف أمام الزجاج وأحلامي التي لم أرَ مستقبلاً لها ..مرة أخرى يا أمي لم أكن البنت المتوقعة.
فارس وحصان أبيض
-----------
لن يضيرني أن أعترف أنني حلمت ككل البنات بفارس على حصان أبيض وأنني سأتحول بمجرد حضوره إلى أميرة ما.
اليوم: أحلم بفارس ينتظر قبلتي بفارغ الصبر وأهرع إليه متأكدة أنه لن يتحول إلى ضفدع أخضر ويترك أحلامي كالحطب في الموقدة.
























