بقلم - جعفر العطار :
اسمك جرحك: آيلان. وجهك اسمك: المجروح. المعذب. الغزال الصغير. المظلوم: هذه أسماؤك في لغتك الكردية: أسماء تخبرك أنك ستبتسم وتفرح، ستمشي وتلهو وتضحك، لكن عبثاً: ابتسامتك لن تكبر معك وتحملك إلى أحلامك: ستموت غرقاً، طفلاً، وحيداً: وجهك يغمره زبدٌ ورذاذ بحر خافك: خاف أن يمسّك ويحضنك: أمسك بك من بين اثني عشر مظلوماً ورماك بيديه إلى شاطئ حزين وحيد.
أغمضتَ عينيك الذاويتين. أرحتَ يديك وقدميك. سمعتَ آخر موسيقى قبل موتك: أول موسيقى عرفها الكوكب: أمواج البحر حين تمشي: فكرت وتذكرت: «أبي لا تتركنا.. أبي لا تمت»، صرخت، بينما الأب كان يمشي فوق المركب حائراً مرتجفاً: «أنا هنا يا أبي»، رددتَ بصوت خافت خائف، ونظرت فرأيت: الأم تناديك باسمك، لاهثة، تبحث عنك بعينين تودعان طفلها قبل موتها: طفلان لا طفل واحد: غالب، شقيقك، يطوف حول المركب الصغير مترنحاً. يغرق ثم يطفو مرفرفاً مثل عصفور بلا جناحين.
ممدداً فوق الشاطئ، ميتاً مرتدياً ثوب جثة، حياً بذاكرتك، تذكرت ما سمعت ذات يوم: «هذه بلادنا، لكنها مجروحة، متروكة، مثلما جُرحنا منذ وُلدنا فتُركنا حيث جئنا. لم يسألنا أحد إن أردنا المجــيء لكننا أتينا»: ربما ســمعت الأب يقول متلعثماً معــتذراً: «أتينا وسنــمضي من هنا، ســنتركها ونعود، سنحيا في بلاد لا تستقبلنا إلا إذا دهمنا البحر بما فيه وما فينا فنمشي ونسير من بلد إلى بلد، ثم نــعود، ولو بعد حين».
وحيداً في عزلتك، نائماً في غربتك نومتك الأبدية، قفزت بهدوء ميت إلى ذاكرتك فتذكرت: الأب يترك كوباني نارحاً إلى قرى تحرقها البراميل في سوريا. يمضي بكم ومعكم من بلدة إلى بلدة، سائلاً: «هل من بيتٍ يحملنا ويتحملنا؟ نحن هربنا من السيوف، رأينا الرؤوس تُنحر، فنستطيع: يمكن لنا أن نسمع أصوات القذائف والبراميل، ونحمي أنفسنا منها. هل منكم من يتحملنا؟».
عائداً إلى المكان الذي سنعود إليه وننام نومنا الأزليّ، سائراً كمن يسير فوق أمواج البحر حين تمشي، مستمعاً إلى موسيقاك المحــببة، ستكــتشف اكتشاف العارف الخائف قبل نومه الأبديّ: إله السيوف والبرامــيل غارق في إجازة طويلة.
























