شبكة نوى، فلسطينيات
اليوم الاثنين 14 سبتمبر 2026م08:07 بتوقيت القدس

سكان المقابر

عندما يعيش الأحياء وسط الأموات

05 سبتمبر 2015 - 23:17
شيرين خليفة
شبكة نوى، فلسطينيات:

غزة-نوى-شيرين خليفة:

يرتجف الجسد رعباً إذا مررت بمقبرة فكيف إن كنت تعيش فيها تتقاسم ترابها مع الأموات في قبورها، تتلفت حولك فلا يصطدم بصرك إلا بشواهد القبور أو زوارها وبقايا عظام الموتى، وحين ينام الناس على وسائدهم عليك أن تنام وسط هذا الجو المرعب، تحيط بك القبور من كل جانب أو ربما تتوسط منزلك، ولن تشمّ إلا رائحة اللحم البشري المتحلل.

في منطقة ميدان فلسطين وسط مدينة غزة، وتحديداً خلف مستشفى المعمداني الشهير حيث تقع مقبرة قديمة اكتظت بالقبور حتى لم تعد تتسع للمزيد من الموتى، هل تصدّق أن وسط هذا المكان المرعب تسكن 20 عائلة غزية معظم بيوتهم التي تنخفض قليلاً عن سطح الأرض من الصفيح الذي لا يحمي من الحر ولا من البرد،  تعاني مرّ الحياة من فقر مدقع ورعب وإهمال حكومي ونظرة دونية.

في مقابلة مع نوى يقول جبر كحيل "29عامًا" وهو أب لخمسة أبناء:"نجن هنا عشرون عائلة فقط، الكل أهملنا وتاجر بهمنّا، وُلدنا لنجد أنفسنا في هذا المكان، كبرنا وكبر معنا الهم ولا حلول، بين فترة وأخرى تزورنا الأوقاف في محاولة لطردنا من المكان فنحن نعيش في أرض وقف، ولكن لا أحد يطرح أي بديل، حتى من زارنا من مؤسسات وجمعيات كلهم كذبوا علينا".

ولد جبر وأشقاؤه الستة في هذا المكان، كبر وكبرت معه مشكلة السكن في المقابر وحال فقر العائلة المدقع من إمكانية الرحيل، تزوج قبل ثماني سنوات، في غرفة بمنزل لا يتجاوز 90 متر يقطنه وكل إخوته، ووسط هذا الجو غير الإنساني أنجب أبناءه الخمسة، أصيبت والدته بمرض السرطان ولم يتمكن حتى من إيجاد متبرعين من أجل علاجها فماتت خلال شهر رمضان الماضي، لتترك الحسرة في قلب ابنها الذي أعجزه الفقر عن مساعدة والدته.

بحنق وعصبية يتحدث جبر عن جميعات زارتهم مدّعية أنها ستعمل على التعاون لحل مشاكلهم، وقامت بتصويرهم في أوضاع مهينة مثل الصور وسط بقايا الطعام المتعفن مستغلة حاجتهم لأي حلول تنتشلهم من هذا الواقع؛ بدعوى أن هذه الصور تُحدِثُ أثراً، وكما يقول جبر فإن الناس هنا صدقوهم بسذاجة.

يضيف جبر:"من الصعب أن نحل مشاكلنا بنفسنا، فأفضلنا يعمل سائق أجرة بسيارة محطّمة وقديمة بالكاد يتقبلها الركاب، وأنا أعمل في تنظيف القبور ومسح السيارات، وغيري ليس أفضل حال مني وكلنا لنا الله، مشكلتي أنني لا أجد عملاً، أبحث دون جدوى".

تحمل زوجته مريم "24عام" طفليها التوأم ذوي الستة شهور وتقول:"حين كنت مخطوبة وأنا في 15 من عمري لم أكن أعلم أن الوضع سيء هكذا، كنت أزور البيت من مدخل آخر، وحين تزوجت وجدت نفسي أعيش بين المقابر، أصابني الرعب والإحباط واليأس، ولكن مضطرة للبقاء هنا فزوجي ليس بيده شيء، أنجبت أطفالي الخمسة".

تكمل:"هنا نعيش 9 أفراد في غرفة واحدة، أما المكان فلا أتوقف عن كنسه طول النهار دون فائدة، كنت أطعم أطفالي المواليد من حليب المؤن فيسبب لهم المغص الشديد ولكن ليس بيدي شيء حليب الأطفال الصحي غالٍ جداً، حياة الفقر أرهقتنا والعيشة وسط الأموات مرعبة، يكفي أنني أتوقع ثعباناً يقتحم المنزل في كل لحظة ".

هنا قاطعها زوجها ليقول:"قبل يومين فقط قتلنا ثعباناً دخل البيت من الزينكو ولولا ستر الله لأصاب أبناءنا، مثلما حدث مع جارٍ لنا قبل مدة، حين لدغ الثعبان ابنه".

تضيف مريم:"الحياة هنا صعبة أخاف على أبنائي من كل شيء، حتى من المستقبل، هنا طالما بنات فقدوا فرصهم في الزواج بسبب عيشتهم وسط المقابر، فمن يقبل بالزواج من فتاة تعيش بين القبور".

خارج المنزل ذو الغرفة الواحدة بجدرانها القديمة المتآكلة المتهالكة يلعب أطفال جبر ومريم أحمد ومحمد بين القبور وكأنه أمر اعتيادي، أحمد في الصف الثاني الابتدائي، لا يجد رعباً في أن يصعد على رخام القبر لينام مستفيداً من برودته التي يفر بها من حرارة الشمس القاسية.

يقول أحمد :"أذهب إلى المدرسة ولا أخبر أحداً من زملائي أنني أعيش في مقبرة، لا أزورهم ولا اطلب منهم زيارتي أنا أخجل جداً ولا أحب أن يزوروني".

ورغم بساطة مفردات أحمد إلا أنها تحمل في طياتها مضامين الحرج من مكان سكنه، أقصى أماني أحمد أن يتمكن من العيش في بيت عادي جداً بسيط ومتواضع ولكنه منزل وسط الناس الأحياء لا الأموات.

رافقتنا طفلة تدعى هند 12 عام في الصف السادس الابتدائي، جلّ ما كانت تحلم به هند هو شراء حذاء جديد ولو رخيص الثمن، تخبرنا هند أنها حين تكبر ستكون محامية كي تدافع عن الفقراء فهي، دخلنا برفقة هند منزل سيدة ستينية تحكي كيف جاءوا إلى هنا.

تقول السيدة التي رفضت ذكر اسمها أنها تزوجت في هذا المكان حيث لم تكن المقبرة مكتظة إلى هذا الحد، لكن الأجداد سكنوا المكان منذ عام 1948 بسبب الفقر الشديد وبقوا فيه، توارث السكن الأبناء فما عادوا قادرين على الخروج منه ولا بدائل لهم.

ترفض الستينية ذكر اسمها إذ لديها بنات متزوجات في الخارج لا يعلم أزواجهن شيئاً عن مكان سكن أسرهن والمكان الذي نشأن فيه، وإن معرفتهم بهذا الأمر قد يتسبب في طلاق البنات.

اصطحبتنا هند إلى بيت آخر لأسرة صغيرة شابة وشاب حديثا الزواج إلا أنهما تحدثا بمرارة عن فقدان الثقة بكل من يقدم وعوداً لحل مشاكلهم وحتى الصحافة لم تخدم قضيتهم رغم أنها إنسانية جداً.

بينما نهمّ بالخروج من المقبرة يفاجئنا خميس شقيق جبر كحيل الذي تحدث بعصبية بالغة عن غرفته التي قصفت في العدوان الأخير على غزة دون ان تتعرف عليه المؤسسات فغرفته مبينة في أرض وقف، يقول خميس بعصبية :"ألست إنساناً مثلهم، فقدت غرفتي التي كانت تؤيني أنا وأولادي كثل كل الناس الذين فقدوا بيوتهم، ألا يحق لي المطالبة بالتعويض والبناء، إنهم حتى يتعاملون معنا بازدراء لم كل هذا الظلم، أنا لا أجد مبرراً لكل هذا الظلم الواقع علينا".

يعيش جبر وأبنائه في غرفة بكاملها من الزينكو وسط حر لا يطيقه بشر ليقول:"من يتحمل العيش في هكذا مكان يشبه الشواية، أنا أجد ملاذي في النوم بين القبور ولكن ماذا عن زوجتي وأطفالي أين يناموا".

أن تغادر من بين القبور يعني أن تخرج محملاً بكم هائل من الحنق والإحساس بالظلم الواقع عن الناس لا لشيء إلا أنهم فقراء لدرجة جعلت محيطهم يعتقد أنهم أقل من الآخرين كرامة، وإن بقي حالهم هكذا فلا حاجة للمتباكين على الفقراء بذرف المزيد من الدموع الكاذبة، فإثبات إنسانيتك يبدأ من هنا لإنقاذ أحياء يعيشون بين أموات.

 

 

كاريكاتـــــير