بقلم – مصطفى السعيد :
نفى بيان لوزارة الصحة تفشي "أي نوع من أنواع الأمراض الوبائية"، وهذا التشديد والتعميم والثفة العمياء تثير الشكوك أكثر مما تبعث على الاطمئنان، فالمعروف أن فيروسات الإلتهاب الكبدي الوبائي منتشرة في مصر بشكل خطير، وهو ما دفع أجهزة عديدة في الدولة في البحث عن حلول دوائية وتشخيصية عدة، وها هي وزارة الصحة تنفي وجود أي الأمراض الوبائية في مصر بما فيها فيروسات الكبد بالمرة؟ وهل يعلم الوزير ووزارته أعداد المصابين بالوباء الكبدي الذي يطحن أكباد المصريين منذ عقود، وكيف تم تركه ليصل إلى هذا الحد؟
هناك واقعة تحضرني يمكن أن توضح للوزير ووزارته كيف تتعامل مستشفياته مع الحالات المشتبه بإصابتها بالالتهاب السحائي المعروف باسم "الحمى الشوكية"، فقد دخل الشاب هاني عبد الراضي، الذي يبلغ من العمر نحو 30 عاما مستشفى حميات حلوان في 23 يوليو الماضي، وأمضى ثلاثة أيام، لم يتمكن فيها الأطباء من تشخيص مرضه، رغم ظهور أعراض الحمى الشوكية، مثل ارتفاع الحرارة الصداع والام الرقبة والقيء وغيرها، ورغم أنهم أخذوا عينات من الدم، وبعد الأيام الثلاثة كانت حالته تتدهور بسرعه، فأخذوا عينة من النخاع الشوكي، وقالوا انه مصاب بالتهاب السحايا، وأعطوه نوعا من المضادات الحيوية، فاستمرت حالته في التدهور، فقالوا انهم لا يعرفون بدقة طبيعة المرض قبل يوم واحد من وفاته، ورفضوا منح أسرته عينة النخاع لتفحصها في أحد المعامل ذات الإمكانيات الأكبر، وكتبوا في شهادة الوفاة "اشتباه في التهاب السحايا" ، مجرد اشتباه بعد كل هذا الوقت وفحص الدم والنخاع !!.
ألا نسمي التأخير في التشخيص أو التشخيص الخاطئ والإهمال قتل غير عمد لشاب في عمر الزهور؟ وكم مريض عانوا مثل الشاب هاني؟ أتعلم مدى الألم الذي لحق بوالديه وإخوته وزوجته وطفلته وأصدقائه؟؟ لو أحس أي من الأطباء بمأساة وفاة شاب مثل هاني لبذلوا جهدا حقيقيا في إنقاذه.
أتمنى أن تكف وزارة الصحة عن طريقتها في النفي القاطع، فهي تعلم أن معظم مستشفياتها غير مؤهلة للتشخيص أو العلاج، بما لا يجعل أي مسئول يتحدث بمثل هذه الثقة واليقين، بل إن البيان يشير في طياته إلى أن معدل الإصابة بالحمى الشوكية هذا العام أقل من المعدل السنوي، قاطعا بدخول 5 حالات فقط إلى مستشفيات مصر، وبالطبع هناك المئات وربما الأاف من حالات الوفاة لم يتم حتى تحديد المرض الذي أودى بحياتهم، ويتم كتاية هبوط حاد في الدورة الدموية، أي كتابة عرض بدلا من المرض.
ربما أراد الوزير عدم إثارة قلق الناس، وحاول إيقاف تدفق الأخبار عن انتشار المرض على صفحات التواصل الإجتماعي والمواقع الإخبارية، وخشي من أن تؤثر مثل هذه الأخبار على تدفق السائحين، لكن هل بمثل هذا البيان يحدث الإطمئنان؟؟ وهل تشخيص هشرات الوفيات على أنها ناجمة عن الانهاك الحراري، بسبب ارتفاع حرارة الجو يحل المشكلة، ويقنع الناس، ويهدبء المخاوف؟؟
كنت أنتظر من الوزارة أن تعلن حالة التأهب، وتعمم نشرات توعية على المواطنين تشرح طبيعة المرض وأسبابه وكيفية انتقاله وأعراضه وطرق الوقاية والعلاج، فهذا أقل شيء طالما توجد شبهة إصابات بالمرض، والجميع يعلم أن الغالبية العظمى من المرضى لا تذهب إلى المستشفيات العامة، التي نعرف جميعا أنها في حالة سيئة، ولا توفر العلاج ولا الرعاية المطلوبة للحالات العادية.
أتمنى من وزير الصحة أن يتحدث في حدود قدرات مستشفيات وزارته، وأن يحاول بذل جهد أكبر في تحسين مستوى الخدمة، لأنها قد تنقذ أرواحا، وتجنب أهاليهم وأصدقاءهم أحزان لا تندمل.
























