ترتبط الهجرة إلى الدول الغربية بظروف بالغة التعقيد في عدد كبير من الدول العربية، التي تشهد منذ ما يسمى بثورات الربيع العربي ظروفاً مأساوية، سبقتها أوضاع اقتصادية وسياسية هشة، أدت منذ سنوات طويلة إلى إعاقة النسيج الاجتماعي وإحداث تحولات هزيلة أصابت هذا النسيج في مقتل.
قبل أن يدخل عدد لا بأس به من الدول العربية في صراعات داخلية، كانت موجات الهجرة إلى الدول الغربية تتزايد بشكل مطّرد، يخدم هذا التزايد شعور المواطن العربي بأنه عالة على بعض الأنظمة الحاكمة التي لم تحسن استثمار الإنسان وجعله أساس التنمية.
تفاوت معدلات الهجرة تأثر اليوم بوضع كل دولة عربية على حده، إذ تتصدر سورية على سبيل المثال قائمة الدول الأولى في العالم لهجرة مواطنيها إلى مختلف الدول الأوروبية، دون إغفال موجات الهجرة من دول أفريقية يعاني أفرادها أيضاً من صعوبات سياسية واقتصادية واجتماعية.
يومياً نسمع عن تقارير تتحدث عن هجرات عبر المتوسط إلى دول أوروبية مثل ألمانيا والسويد وإيطاليا، والحديث لا يقتصر على أولئك الذين يتهددهم الموت من كل حدب وصوب، وإنما هناك من يعيشون في ظروف مستقرة، لكنهم يطمحون إلى تحسين ظروف حياتهم.
مشكلة الهجرة عويصة وتلقي الضوء على حقيقة ما يعانيه المواطن العربي من صعوبات شتى، أولها وأساسها عدم الاستقرار السياسي وغياب الأمن، فضلاً عن تفصيلات متنوعة تتصل بالبيئة الطاردة التي توفرها الكثير من الدول العربية، اقتصاداً صعباً وتعليماً سيئاً وجوازاً تعيساً و... إلخ.
لتلك الأسباب يفضل الكثير من العرب ركوب المخاطر وصعوبة الأسفار للاتجاه نحو بعض الدول الأوروبية التي تستقبل المهاجرين، حيث ترعاهم وتذلل العقبات أمامهم وتمدهم بإقاماتها إلى حين تمكينهم من لم شملهم مع أسرهم في إطار حق المواطنة وفق قوانين تستلزم من المهاجر الإقامة لعدة سنوات.
ولا يعني هذا أن تلك الدول تتمنن على المهاجرين الذين يقصدونها، إنما يأتي ذلك خضوعاً لسياسة العرض والطلب، وليس خافياً تغير المعادلة الديمغرافية لدى القارة الأوروبية العجوز، والإشكالية التي تعانيها كثير من الدول الأوروبية المتعلقة بانخفاض الزيادة الطبيعية للسكان.
الدول الغربية تفكر بعقلية مصلحية بحتة، وفتح باب الهجرة إلى جانب استقبال المهاجرين إليها بالطرق غير الشرعية، إنما يأتي لأنها تبحث عن طرق لإعادة التوازن الديمغرافي والسيطرة على نضوب الخزان البشري، ويفهم من الدعم الذي تقدمه تلك الدول للمهاجرين إنما سياسة ذكية بهدف دمجهم وجعلهم جزء من النسيج الاجتماعي للدولة.
وفي السنوات الثلاث الأخيرة زادت معدلات الهجرة إلى الغرب بمستويات عالية عبر الطرق الشرعية وغير ذلك، ففي شهر يوليو الماضي وحده، بلغ عدد المهاجرين عبر المتوسط إلى حوالي 107 آلاف حسب إحصائية صادرة عن "فرونتكس" وكالة مراقبة الحدود الأوروبية.
هذا العدد زاد بثلاثة أضعاف عن العام الماضي 2014، في حين بلغ عدد المهاجرين حسب تلك الوكالة خلال سبعة أشهر من العام الجاري 340 ألف مهاجر، منهم ما يزيد على 160 ألفاً وصلوا إلى السواحل اليونانية حتى شهر آب الجاري، فضلاً عن إحصائيات دولية تشير إلى أن حوالي 21 ألف لاجئ ومهاجر يصلون إلى اليونان في الأسبوع الواحد.
هذه الإحصائيات الكارثية تشكل مؤشراً على مدى مأساوية الأوضاع في عدد من الدول العربية، وهي خطيرة على المستوى الزمني طويل الأمد، ذلك أن هؤلاء المهاجرين الذين يقيمون في تلك الدول الغربية يفضل أغلبهم الاستقرار هناك على العودة إلى دياره حتى بعد تحسن الأحوال.
ويبدو أن معالجة مثل هذا الواقع من الأمور الصعبة للغاية، لأن ذلك مرتبط بالحروب والصراعات التي تشهدها بعض الدول العربية والتي تحتاج إلى وقت غير معلوم حتى تنتهي، يُضاف إليها سنوات طويلة من إعادة الإعمار وإزالة مخلفات النزاع تمهيداً للعودة إلى حياة طبيعية.
في هذا الإطار لا ينبغي إسقاط أو التعامي عن التصرفات اللا أخلاقية التي تصدر عن العالم الغربي الذي أسهم بشكل أو بآخر في تخريب الوطن العربي بسياسات استمرت لسنوات طويلة جداً، خصوصاً وأن مواسم الهجرات العظيمة لدى بعض الدول العربية تأثرت بالاستعمار التقليدي، وهناك نماذج كثيرة على ذلك من بينها الاحتلال الإسرائيلي واتفاقية "سايكس بيكو" التي جزأت الوطن العربي واستعبدته بالاحتلالات البريطانية والفرنسية والإيطالية.
وفي يومنا هذا تقدم الولايات المتحدة نموذجاً جديداً للاستعمار الحديث القائم على سياسة العصا والجزرة وخلق شرق أوسط جديد متعولم ومعبأ بالحقد والكراهية البينية التي من شأنها أن تخرب الوطن العربي وتزيد من التدخل الأميركي والغربي في المنطقة.
نعم الدول الغربية ليست بريئة من ما يجري في بعض الدول العربية، فمن دمر العراق وأعاده إلى سنوات الجاهلية، ومن يدمر سورية الآن ويستنفذ من رصيدها الوجودي الإقليمي في المنطقة، وليبيا التي تحولت إلى دولة فاشلة، والسودان الذي تحول إلى سودانين؟
إن العالم الغربي مستفيد من مآسينا في كل شيء، في المخزون البشري واستقطاب الكوادر والعقول التي تهرب من بيئتها الطاردة، ومن إعمار دولنا وتدميرها بالسلاح الغربي ذاته، ومن سياسات واقتصادات تعمق التبعية للغرب.
الغرب يتحمل مسؤولية "البلاوي" التي لدينا، دون أن نعفي بعض الأنظمة الحاكمة العربية التي أسهمت في إنتاج دول فاشلة في كل شيء، واعتبرت المواطن العربي مجرد رقم يضاف إلى سجلاتها، وخاضع لرحمة التشوهات الاقتصادية والبطالة المتنامية.
لقد أنتجت تلك الأنظمة مواطناً بائساً متشائماً لا مستقبل له في بلاده، يعيش حالة من الاغتراب الحقيقية المليئة بالفساد السياسي والمالي، فضلاً عن حروب ونزاعات مدمرة وغياب في الأفق السياسي، والله أعلم متى ستركب تلك الأنظمة عقولها لتستعيد عافيتها وتقرر الاسترشاد بالنموذج الغربي في بناء دول محترمة تقوم على العنصر البشري وتنميته.
[email protected]
























