احتمال الانجرار إلى حرب مفتوحة في قطاع غزة دونه حسابات مركبة لدى الفلسطينيين والإسرائيليين، حيث اجتهد الطرفان خلال الأسابيع الماضية لتسجيل نقاط في "لعبة عض أصابع".
لكن كلا الطرفين لا يريدان أن تخرج لعبة التسخين العسكري والإعلامي عن نطاق السيطرة، لحسابات خاصة بكليهما، ينطلقان منها في تسجيل النقاط، وهي عينها التي تكبح جماح الذهاب إلى تصعيد الموقف باتجاه انفلات المجريات على الأرض.
الجيش الإسرائيلي تلقى قبل ثلاثة أيام ضربة موجعة بمقتل واحد من جنوده وإصابة ثلاثة آخرين في عملية عسكرية نفذتها مجموعة من "كتائب أبو علي مصطفى"، الجناح العسكري للجبهة الشعبية لتحرير فلسطين، استهدفت سيارة جيب عسكرية إسرائيلية، بصاروخ من طراز "كورنيت"، رداً على مقتل طفل فلسطيني في غارة إسرائيلية على قطاع غزة، وردّت إسرائيل على العملية بقصف القطاع، تبعه رد فلسطيني بإطلاق عشرات الصواريخ على البلدات الإسرائيلية القريبة من قطاع غزة، وصل بعضها إلى مدينتي إسدود وعسقلان، في وضع شبيه بالوضع الذي ساد في تشرين الثاني/نوفمبر العام 2008 قبيل انتخابات الكنيست الماضية، وآل إلى شن إسرائيل حرباً على قطاع غزة أسمتها "الرصاص المصبوب".
وجرت العادة أن تلجأ الحكومات الإسرائيلية إلى شن حروب أو عمليات عسكرية واسعة على أبواب استحقاق الانتخابات، أو انفجار أزمات داخلية طاحنة، لتوظيف تلك الحروب والعمليات في بورصة الانتخابات، أو توظيفها لتصدير الأزمات الداخلية إلى الخارج.
غير أن الحكومات الإسرائيلية لم تنجح دائماً في هذا التكتيك، بل انقلبت عليها نتائجه في كثير من الأحيان، فحزب "كاديما" وائتلافه الحكومي الذي خاض حملة "رصاص مصبوب" في كانون أول 2009 لأغراض انتخابية، خرج في محصلة الحملة بهزيمة سياسية، رغم أنه بقي في الترتيب الأول لانتخابات الكنيست السابقة بـ29 وعشرين مقعداً، حيث استطاع الليكود، الذي حل في الترتيب بالمركز الثاني، أن يشكل ائتلافاً يمينياً، يتوقع له أن يفوز في الانتخابات القادمة، لاسيما بعد وحدة حزب الليكود وحزب إسرائيل بيتنا، تاركاً ورائه حزب كاديما يضمحل ويتلاشى من الخارطة الحزبية والسياسية الإسرائيلية، وليس بأفضل منه حالاً حزب الاستقلال بزعامة وزير الدفاع الإسرائيلي إيهود باراك، الذي يراوح في مربع "صفر مكعب" في استطلاعات الرأي العام الإسرائيلي.
ومازالت إسرائيل تعاني من تداعيات الحرب الأخيرة على قطاع غزة، لجهة اتهام جيشها وقادته بارتكاب "جرائم حرب"، و"جرائم ضد الإنسانية"، وثَّقتها "بعثة الأمم المتحدة لتقصي الحقائق بشأن النزاع في غزة" برئاسة القاضي الجنوب أفريقي ريتشارد غولدستون، واستطاعت الحكومة الإسرائيلية الإفلات منها حتى الآن بتواطؤ أميركي وأوروبي غربي.
إلا أن عاصفة التغيرات في بلدان "الربيع العربي" وانعكاساتها على باقي البلدان العربية والإقليمية والدولية، وكذلك الظروف الإقليمية المحيطة بإسرائيل، تجعل من توجه الخرج إلى حرب ضد قطاع غزة عملية خاسرة في ميزان الحسابات الإسرائيلية.
في الحسابات الإسرائيلية الكابحة، إن شن حرب مفتوحة وواسعة على قطاع غزة سينظر إليه بعين عدم الرضا من إدارة الرئيس باراك أوباما، إذ أن الشاغل الأول لأوباما وإدارته ترتيب الأوضاع الداخلية الأميركية، ومن ثمًّ الالتفات إلى معالجة الملفات الخارجية، ومنها ملف الصراع في الشرق الأوسط، وإن اختلفت التقديرات في مكانة هذا الملف على أجندة أوباما في ولايته الرئاسية الثانية.
وإذا أقدمت إسرائيل على شن حرب ضد قطاع غزة فإنها ستضع حليفتها الأكبر، الولايات المتحدة، في موضع حرج شديد، إزاء علاقات واشنطن مع البلدان العربية، وخطواتها المستقبلية المفترضة لإعادة إحياء المسار التفاوضي بين الفلسطينيين والإسرائيليين.
وعلى أصحاب القرار الإسرائيلي أن يخشوا من التأثيرات السلبية للحرب ضد غزة على خططهم للتنسيق مع إدارة أوباما بشأن اتخاذ خطوات أشد تجاه إيران لوقف برنامجها النووي، ربما عسكرية، وعدم صرف الأنظار عن هذه القضية، التي يشدد عليها الخطابان السياسي والإعلامي الإسرائيلي باعتبارها استحقاقاً لا يقبل التأجيل.
الخشية من توتير العلاقة مع مصر والأردن، كابح ثالث للتفكير الإسرائيلي بالخروج إلى الحرب ضد قطاع غزة، فمثل هكذا قرار سيشكل امتحاناً صعباً للعلاقات الإسرائيلية مع الحكم الجديد في مصر، ولا ننسى أن الرئيس محمد مرسي تعرض لهجمة إعلامية شرسة على خلفية الرسالة التي أرسلها للرئيس الإسرائيلي شمعون بيريز لاعتماد سفير مصري جديد لدى تل أبيب.
كما أن أي عملية عسكرية إسرائيلية واسعة على قطاع غزة ستضغط على عصب الأوضاع الداخلية المحتقنة في الأردن، فضلاً عن خلق مأزق حاد لرئاسة وحكومة السلطة الفلسطينية في رام الله.
أما في الحسابات الفلسطينية، لا مصلحة لحركة حماس، المسيطرة على قطاع غزة، في تصعيد الموقف إلى حرب شاملة مع إسرائيل، فالحرب قد تقود إلى خسارتها للسلطة، وحتى وإن كان هذا الاحتمال محل تشكيك من جانبها، من غير المشكوك به أنها لا تريد أن تضع الإخوان المسلمين في مصر أمام امتحان محرج، ولا تريد أيضاً الاصطدام بدول الخليج العربي وتركيا التي تكرس كل جهدها لملف الأزمة الداخلية السورية.
والملاحظ أن حكومة حماس عملت منذ اللحظة الأولى على ضبط ردود فعل الأجنحة العسكرية للفصائل الفلسطينية، وأعلنت استعدادها للتجاوب مع أي جهود للتهدئة تبذلها مصر. ولا يعدو اشتراك حماس في الرد الصاروخي على الهجمات الإسرائيلية سوى تفويت للفرصة على الفصائل الفلسطينية الأخرى في أن تسجل موقفاً على حكومة إسماعيل هنية.
وقد يقال: إن من مصلحة حماس اندلاع حرب مع إسرائيل للتخريب على سعي رئاسة السلطة الفلسطينية التوجه إلى الأمم المتحدة لطلب صفة "دولة غير عضو" لدولة فلسطين في الأمم المتحدة، كون حماس تعارض هذا وتصفه بأنه غطاء لـ"تكريس الاعتراف بإسرائيل والتنازل عن باقي أراضي فلسطين التاريخية، وشطب حق عودة اللاجئين الفلسطينيين."
أو إن من مصلحة الفصائل الفلسطينية المتحالفة مع دمشق أن تفجر الوضع مع إسرائيل لتخفيف الضغط عن الحليف السوري. وقد يقال أيضاً: إن إيران تريد أن تعاقب حماس على مواقفها من ملف الأزمة السورية وجفاء قيادة حماس لطهران في الأشهر الأخيرة؛ ويمكن أن تقال أشياء أخرى. لكن الحسابات الفلسطينية، حتى بالنسبة للفصائل الفلسطينية المتحالفة مع سورية وإيران، لا تزكي أن للفلسطينيين مصلحة في الحرب، إنما في تسجيل نقاط فقط في الصراع المفتوح مع إسرائيل أولاً، وفي الصراع الداخلي الفلسطيني ثانياً، منطلقها حسابات فلسطينية بحتة.
وباعتقادنا؛ إن الأسباب المذكورة تدعونا منطقياً لاستبعاد إمكانية الحرب، لكننا لا ننفي الإمكانية على نحو قطعي، فالصراع في الشرق الأوسط عرف في تاريخه ما لا يعد ولا يحصى من قرارات لم تكن منطقية
























