غزة-نوى-نيفين أبو شمالة:
يتصبب العرق منه بغزارة وهو يلاحق الركاب على شارعٍ قرب مدخل الشجاعية ليعيل أسرته المكونة من زوجة وستة أبناء، إنه الشاب أحمد عيسى "36 عاماً"الذى أنهي دراسته الجامعية تخصص "محاسبة" لكنه اختار العمل كسائق نتيجة لنقص فرص العمل.
يبدي أحمد أسفه على عمرٍ قضاه في التعليم منذ دخل المدرسة؛ منتظراً اللحظة التي يحمل فيها شهادته الجامعية في المحاسبة التي تؤهله ليكون موظفاً في بنك، لكن أحلامه ذهبت أدراج الرياح.
حلمٌ ضاع
يقول أحمد :"تعبت في الدراسة وعانيت لأحصل على معدّل مرتفع، وها أنا أصطف في طابور البطالة التي قتلت أحلامي كشاب، اضطر للعمل في مهنة محترمة لكنها لم تكن طموحي، إنما عليّ رعاية أسرتي".
يبلغ عدد الخريجين من كافة الجامعات في قطاع غزة لهذا العام مؤهل البكالوريوس 12185، والإجمالي العام 18825 خريج موزع ما بين بكالوريوس ودبلوم عالي ودراسات عليا، يضطر العدد الأكبر منهم لكسب رزقهم في مهن لا تناسب تخصصاتهم ولا طموحهم، في مجتمع بلغت نسبة البطالة فيه 44% من القوى العاملة حسب الجهاز المركزي للإحصاء الفلسطيني وفقاً لأحدث تقديرات.
الشابة نسرين "30عام" عملت كمنسقة ميدانية لمشروع في مؤسسة أهلية، ضمن مشروعٍ لتشغيل الخريجات، ومن ثم تجديد العقد معها لعدة أشهر أخرى، مهنةٌ بعيدةٌ تماماً عن تخصصها في الإعلام، رغم اعتقادها أنها مؤهلة أكثر للعمل وفقاً لشهادتها.
تقول نسرين :"النقص الشديد في فرص العمل، دفعني إلى استثمار أي فرصة عمل موجودة، كان التحدي الأكبر في وظيفتي هو عدم تخصصي في هذا المجال، بالتالي بدأت أتعلم من زميلاتي، نجحت أحياناً وأخفقت مرات، ولكن في النهاية واصلت العمل".
تضيف نسرين أن الطالب حين ينهي الثانوية العامة يدرس وفقاً للتخصصات المتوفرة في الجامعات، ولكن عندما يتخرج يجدها جميعاً تعاني اكتظاظ الخريجين بالتالي بطالة عالية، ليكون الحل اللجوء لوظائف لم تفتتح لها الجامعات أقساماً بعد.
أما الشاب العشريني يوسف البنا، فقد أعياه التعب بحثاً عن مهنة تناسب أو لا تناسب تخصصه كخريج كلية تربية، دون جدوى، يقول :"أبحث عن أي فرصة عمل، فأنا كأي إنسان أريد أن أبني بيتاً ومستقبلاً وأكوّن أسرة، ومع هكذا حال لا يبدو الأمر هيناً".
يوسف البنا أحد الخريجين الجامعيين من قسم اللغة العربية بجامعة الأقصى منذ عامين بدى عليه الهم والتعب الشديدين بحثاً عن وظيفة، ولكن دون جدوى وخاصةً مع تكدس عدد الخريجين من قسم التربية فيتمنى يوسف أن يحصل على مهنة حتى وإن لم تتناسب مع دراسته فهو يسعى لفتح بيت وتكوين أسرة.
نحتاج استراتيجية
تعقيباً على واقع الخريجين في قطاع غزة، توكد د. مي نايف الخبيرة في التنمية البشرية ضرورة إيجاد استراتيجية وطنية وتعاون بين الجامعات وتخطيط للتخصصات يتوافق مع التقدم العالمي التكنولوجي، وإيجاد بدائل مناسبة كالتحاق الطلبة للكليات المهنية لمعالجة أزمة التخصصات الجامعية وملائمتها مع سوق العمل.
وتضيف أن الطلبة لديهم مشكلة في اختيار التخصص الذي يناسب قدراتهم ومهاراتهم بالإضافة لعدم دراستهم احتياجات سوق العمل حيث يعيشون العشوائية ذاتها التي تعاني منها البلد ولم يتعلم في منزله أو بالمدرسة كيف يخطط أو يختر التخصص المطلوب.
بدوره يعتبر الخبير الاقتصادي عمر شعبان أن ارتفاع نسبة الخريجين في قطاع غزة؛ له تأثير كبير على ارتفاع نسبة البطالة حيث أن اكثر من نصف الشعب خريج عاطل عن العمل مما يشكل تهديد خطير على سلامة واستقرار المجتمع الفلسطيني وحياته.
يضيف:"أن نظام التعليم لدينا بعيد عن احتياجات السوق بسبب المناهج وعدم التخطيط، وأنه لا يمكن معالجة معضلة البطالة بإجراء واحد لأنها نتاج عوامل عدة تراكمت عبر السنوات وعلاجها يحتاج إلى منظومة علمية ووقت".
بطالة سوق العمل
ويشدد شعبان على ضرورة توجيه الطلبة الملتحقين بالجامعات الى التعليم المهني والتقني للحد من أزمة البطالة، وأن تدرس الجامعات الوضع المحلى والاحتياجات اللازمة وتطرحها للطلبة الجدد للحد من التخبط وخلق واقع اجتماعي واقتصادي أفضل.
وزارة التربية والتعليم بدورها حاولت منح تسهيلات لتخصصات جديدة، يقول أحمد أبو هربيد رئيس قسم شؤون الطلبة في وزارة التربية والتعليم العالي بقطاع غزة، أن الوزارة أعطت اعتمادات كبيرة لبرامج دراسية متنوعة ومختلفة ودرست التوزيع الجغرافي للكليات والجامعات والمعاهد بما يتناسب مع أماكن الطلبة للتخفيف من معاناتهم اليومية، وبدأت تعمل على تقديم التراخيص لفروع أخرى تنتشر في مناطق الوسطى وخانيونس وغزة وذلك أيضاً لمراعاة تكدس التخصصات.
يضيف أبو هربيد أن الوزارة تركز على فتح تخصصات مهنية وتطبيقية تتناسب مع سوق العمل وذلك للتخفيف من أزمة البطالة وتكدس الخريجيين، فهناك التخصصات المهنية كميكانيكية السيارات، وفني الأسنان، ومساعد مهندس، والديكور،وفني تخدير، والطب البشري والتي تعتبر تخصصات نوعية متميزة لها مجال واسع ومفتوح في سوق العمل.
يرجع أبو هربيد تفاقم مشكلة البطالة بين الخريجين إلى الوضع السياسي الراهن والاقتصادي، والحصار القائم على قطاع غزة له دور كبير في اغلاق المصانع والمزارع والمختبرات التى أعاقت على عمل العديد من خريجي الكليات المهنية والتطبيقية.
تبدو العلاقة بين التخصصات الجامعية وسوق العمل علاقة تكاملية فيجب على المؤسسات الجامعية أن تدرس الوضع المحلى والاحتياجات اللازمة وتطرحها للطلبة الجدد للحد من التخبط وخلق واقع اجتماعي واقتصادي أفضل.
























