كتب - يامن صابور :
بعنوان صادم اختارت «بي بي سي عربي» التقديم لفيلم استقصائي بعنوان «الكبتاغون: مخدّر الحرب السوريّة» عرض على شاشتها مساء الاثنين الماضي. وما أن أعلنت القناة عبر صفحتها على موقع «فايسبوك» عن موعد عرض الفيلم مرفقاً بمقطع ترويجي قصير، حتى اشتعل الموقع بالتعليقات الغاضبة والمستنكرة لفيلم لم يعرض بعد. اكتفى الجميع ببعض اللقطات والعناوين العامة لتكوين تصور شامل حول الوثائقي ورسالته. أجمع المعارضون على التنديد به واعتباره مؤامرة لتشويه صورة المعارضة، واعتبروا أن «بي بي سي عربي» منحازة وغير حيادية. من جهتهم، هلل الموالون للوثائقي، واعتبروه تأكيداً لما كانوا يتناقلونه منذ بدايات الأزمة حول ارتباط المعارضة بتجارة المخدرات وتعاطيها، بالرغم من أنّهم صنّفوا «بي بي سي عربي» أحياناً ضمن «أجهزة الإعلام المغرض».
قدَّم الفيلم ردوداً على بعض تلك الاتهامات فيما ظلت أخرى معلقة برسم تحقيقات تالية ربما. الاستقصاء الذي قام به الصحافي اللبناني رضوان مرتضى، يتتبع مسار تصنيع وتهريب حبوب الكبتاغون، أحد أكثر الأدوية المخدرة انتشاراً في المنطقة، ويحقق في مسارات التهريب من لبنان إلى دول الجوار والخليج، وأثر الحرب الدائرة في سوريا على تلك العمليات.
لم يقتصر التحقيق الذي أجراه مرتضى على علاقة الكبتاغون بالحرب في سوريا فقط؛ بل رصد تغلغل المخدر في فئات المجتمع الشابة والمهمَّشة. ولمن اتهموه في تعليقاتهم بغضِّ الطرف عن انتشار المخدر في الضاحية الجنوبية لمدينة بيروت، ردّ مرتضى بشكل غير مباشر بافتتاحه التحقيق من الضاحية، ولقائه عدداً من الشبان المدمنين على الكبتاغون لأثره القويّ وتوفّره. هنا يصوِّر الفيلم حالة نمطيَّة تهدِّد المجتمعات: شباب يعانون البطالة وانسداد الآفاق فيلجأون للكحول والمخدرات لينسوا واقعهم، وتنغلق الدائرة عليهم فهم مدمنون لأنهم عاطلون عن العمل ولا يستطيعون إيجاد عمل مناسب بسبب إدمانهم.
أحد أبرز محطاّت الفيلم كانت نجاح فريق العمل في دخول إحدى ورش تصنيع المخدِّر السريَّة في لبنان، وإجراء مقابلة مع رجل أعمال سوري يعمل في تصنيع وتهريب الكبتاغون، ليموّل بفضل أرباحه أحد فصائل المعارضة المقاتلة «العلمانيّة» على حد وصف الفيلم. لا يرى رجل الأعمال على ما يبدو أي تعارض بين عمله وتمويله لأولئك المقاتلين، ويريد إبقاءهم في الميدان كقوة مقاتلة علمانيّة، في مواجهة المجموعات الإسلامية التكفيرية.
يؤخذ على الفيلم عدم تغطيته لميدان الحرب التي يتخذها عنواناً بشكل كامل؛ إذ أنّه اكتفى بلقاء بعض المقاتلين «المعتزلين» الذين تشتَت فصائلهم، وضعف تمويلهم، فلجؤوا إلى لبنان. يكشف هؤلاء المقاتلون عن اعتمادهم على الكبتاغون لما يمنحه من قدرة عالية على التحمل، ووهم قوَّة، تجعل من متعاطيه آلة قتل بشرية مجردة من المشاعر. وبالطبع لا نرى وجوه هؤلاء المقاتلين، وتبقى شخصيَّاتهم وشخصيّة رجل الأعمال المعارض مغفلة، ما جعل البعض يشك في مصداقية المعلومات. ولكن لا يعد إخفاء ملامح الوجه أو تمويه الأصوات تزييفاً للحقائق في التقاليد الصحافية؛ وإذا ما بقيت شخصية رجل الأعمال مجهولة فلا يعني أنه شخصية مختلقة. ومن جهة أخرى، فمن الصعب الدخول إلى ميدان القتال وأخذ شهادات حيّة من مقاتلين يعترفون بتعاطي الكبتاغون.
قد تكون المشكلة الأساسية التي أبرزها الفيلم بشكل غير مباشر، ومن خلال ردود الفعل عليه، هي في إصرار البعض على وضع تصوّر رومانسي للحرب، فيما أنّها تفرز أبشع ما في الإنسان، وتفتح الميدان واسعاً لعمليات التهريب، ولانتشار الأمراض الاجتماعية على مختلف أنواعها... وذلك بالضبط ما يظهر جلياً في معظم التعليقات المشحونة بالطائفية وكراهية الآخر على الوثائقي.
عن "السفير" اللبنانية
























