شبكة نوى، فلسطينيات
اليوم الاربعاء 16 سبتمبر 2026م18:52 بتوقيت القدس

عن فرقة الفنون الشعبية الفلسطينية التي أبكتني

06 اعسطس 2015 - 14:28
فرقة الفنون الشعبية / اجيال مختلفة على مسرح واحد
فرقة الفنون الشعبية / اجيال مختلفة على مسرح واحد
شبكة نوى، فلسطينيات:

بقلم – خالد جمعة :

سمعت بفرقة الفنون منذ تأسست، ولكني لم أحظ بمشاهدتها إلا بعد خمس سنوات على مسرح جامعة بير زيت وهي تقدم عرض وادي التفاح في مهرجان ليالي بير زيت، كنت مذهولاً كطفل وأنا أرى فلسطين أمامي، بملابسها وأغانيها ورقصاتها ومواسمها.

بعدها بأيام، كنت أسير أنا وصديق لي في جامعة الخليل، ونفخّم أصواتنا ونحن نقلّد وسيم الكردي وهو يلقي الكلمات التي تأتي بين الفقرات في عرض فرقة الفنون:

الدم هو المهر

والمهر هو الدم لعروس كنعانية

وادي التفاح يا أحلى صبية

فالتفت إلينا شاب ملتحٍ وقال بابتسامة: وبعدين معاكو يا تبعين البوليتيكنيك... وفوجئنا بأن من كان يمشي أمامنا هو وسيم الكردي "شخصياً"، فذهلنا، لقد كان التعرف إلى الشاعر الذي يكتب الأغاني لفرقة الفنون شيء يدعو للفخر، وذهبنا إلى المعهد وقلنا لأصدقائنا ببراءة المراهقين: تعرفنا اليوم إلى وسيم الكردي، الشاعر الذي يكتب الأغاني لفرقة الفنون...

امتدت علاقتي بفرقة الفنون وتعرفت بعدها على محمد عطا وخالد قطامش وإيمان حموري وأبو عواد وأبو يعقوب والكثيرين غيرهم، كانت الفنون الشعبية بالنسبة لنا هي الفرقة التي نحلم بأن نكون إلى جوارها، وليس فقط داخلها، كانت تعطينا فلسطين الغائبة في أغنية، وتمضي لتبحث عن كل جديد.

لم أترك عرضاً للفنون استطعت حضوره إلا وحضرته، حتى لو كان عرضاً معاداً، وادي التفاح، مشعل، مرج ابن عامر... وفي عام 2000 كانت آخر زياراتي إلى رام الله قبل أن يمنعني الاحتلال من دخولها لثلاثة عشر عاماً، ومنذ قدومي إلى رام الله لم أشاهد الفنون إلا بالأمس، في ثاني أيام مهرجان فلسطين الدولي.

جلست، وأنا ابن الخمسين، كطفل في حديقة ملاهي، في آخر صف، الجماهير تملأ المكان بالآلاف، لكني لم أكن أرى أحداً غير تلك البقعة المضيئة من المسرح وهي تقدم لي وحدي أجيالاً من فرقة الفنون الشعبية، من براعمها إلى شبابها إلى مؤسسيها، في لحظة ما، وأثناء العرض الذي قدمه قدامى الفنون، بكيت، سعادةً طبعاً، فقد تداعت كل الذكريات التي عشناها مع فرقة الفنون.

لم يكن أحد يعرف كيف كنا نعشق تلك الفرقة، فقد كان الاحتلال يضع الحواجز حين يكون هناك احتفال تشارك فيه الفنون، الحاجز غالباً كان يوضع عند مفترق سردة، وكنا ننزل مشياً من بين الجبال لنلتف على الحاجز، ونصل جامعة بير زيت بخدوش عديدة على أيدينا وأرجلنا، عدا عن الطين الذي يلتصق بملابسنا، كنا نصل متسخين ومرهقين ونكاد نقع من شدة التعب، وبمجرد أن تبدأ فرقة الفنون في أداء يا ابو قذيلة منثورة، أو علي نارك عليها يا ابن كنعان، أو صوب ياخوي عالمدفع، نعود في لحظة وكأننا لم نتعب ولم نمش خطوة واحدة، يأخذنا الجلال والفن إلى أحضانه كي نكون في عالم سماوي أكثر مما هو أرضي، هكذا كنا نرى الفنون.

بالأمس افتقدت أبو عواد، وهو يغني:

يا ربوعنا ياللي غرقتي في النواح

من يوم ما جفت ينابيع البطاح

وفي نواحيكي ضرب جنحو المسا

ولبسك من ثوب أحزانو وشاح

بلهجته التي تقلب القاف كافاً، كان يسحرنا، ونتلملم حوله كأطفال بعد انتهاء العرض، ولكن إن كان علي أن أذكر شيئاً مهماً، فإن أي احتفال كان يتم وتشارك فيه الفنون، كان يجب على محمد عطا أن يغني "تكتيك" بعد أن تنهي الفرقة عرضها، وإلا فإن العرض لن يكون له طعم.

بالأمس أعادتني فرقة الفنون إلى الأعوام الأولى لتأسيسها وتأسيسي، إلى ذكرياتها في الانتفاضة، الكاسيت الذي صادره الاحتلال واعتقل سهيل خوري ونصف أعضاء الفنون بسببه، الأغاني التي كانت تخرج في كبسولات سرية من المعتقل، محاولاتنا الواهية لتقليد راقصي الفنون المحترفين، بالأمس عاد هذا كله، عاد ليقول لي، ليقول لكل من حضر، لكل من عاصر ومن لم يعاصر نشأة الفنون، إن هناك في فلسطين من يحمل الفكرة ما زال، ويعمل عليها بعيداً عن كل ما يحيط بفلسطين من غيلان، وبعيداً عن كل ما ينبت في قلبها من أشواك.

كاريكاتـــــير