بقلم – زكريا محمد :
وقف شمعون بيريس، الرئيس السابق لإسرائيل، قبل يومين ليعلن من على منصة في تل أبيب بدء (حرب تحرير) جديدة: حرب تحرير إسرائيل من المجانين!
أليس هذا غرييا حقا؟ّ إسرائيل واحدة الديمقراطية والعقل في الشرق الأوسط، تجد نفسها بعد 68 عاما من تأسيسها وقد امتلأت بالمجانين، حد أنه صار ينبغي شن حرب مثل حرب عام 1948 لدحرهم! الدولة العاقلة تفيض بالمجانين!
وقد لاحظ بيريس ذاته في خطبته مندهشا أنه يعود إلى المنصة ذاتها بعد ست سنوات لكي يعلن الحرب ذاتها: "وقفت على هذه المنصة قبل ست سنوات، بعد أيام قليلة من القتل في بار نوعر. أجد صعوبة في أن اصدق بأننا نقف مرة اخرى على ذات المنصة، امام تلك المحاولات للقتل والعنف الخطيرين". ففي العام 2009 كان متطرف آخر قد أطلق النار على المثليين في بار نوعر في تل أبيب.
لكن لم يكن لدي بيريس الشجاعة لكي يخبرنا أنه وقف على المنصة نفسها قبل 16 عاما أيضا، لكي يعلن الحرب ذاتها على المجانين، عندما اغتال المجنون (يغال عامير) إسحق رابين. فهو لم يرد أن يربط بين عامير وبين من طعن المثليين في القدس الغربية. أراد أن يجعل المسالة تبدو وكأنها مسألة مثليين فقط. لكن الحقيقة أن الجنون الإسرائيلي شبكة واحدة، وأن نهره يعرض وتتسع ضفتاه، ويتدفق بمياهه المخيفة.
والجنون في الحقيقة جزء من العدة الأيديولوجية للقتل الإسرائيلي. فأغلب من قتلوا المدنيين الفلسطينيين كانوا يعتبرون مجانين. أي أن الجنون كان في الحقيقة رخصة بالقتل. اقتل وادع الجنون. بذا فليس غريبا أن يتكاثر المجانين، فالأرض معدة أيديولوجيا منذ البدء لتفريخهم.
ومشكلة بيريز الحقيقية تكمن في أن الجنون صار في قمة السلطة رسميا في إسرائيل. في الماضي كان الجنون يلعب لعبته في الأسفل. أما في القمة فتترك لمن يلعب لعبة العقل. لقد تغير هذا الوضع، وسيطر الجنون على القمة. فهناك على الأقل عشرة وزراء داخل الحكومة الإسرائيلية يشبهون يغال عامير. بل إن رئيس الوزراء نتنياهو ذاته نسخة من عامير. وهذا يعني أن إسرائيل الرسمية هي الجنون. فكيف يمكن لبيريس أن ينتصر في مثل هذه الحرب؟ كيف يمكن له أن ينتصر وقد صار هو الأقلية؟
إسرائيل تحولت إلى كيان مجنون. هذه هي الحقيقة. الأميركيون أنفسهم صاروا، بشكل ما، يرونها هكذا. لقد خرج هذا الكيان عن طوره بعد أن أخرج المنطقة كلها عن طورها. فالجنون الذي يعصف بالمنطقة هو في الواقع جزء من جنون إسرائيل، ورد على جنونها.
انتهى زمن بيريس. انتهى زمن الكذاب الذي غطي عورات إسرائيل بكذبه سنوات طويلة. ونحن اليوم مع نتنياهو. مع إسرائيل الحقيقية، إسرائيل المجنونة والمكشوفة.
























