بقلم - مصطفى السعيد
أخطر نتائج الاتفاق النووي بين إيران والدول الكبري أن الحروب المستعرة في المنطقة قد تحط أوزارها قريبا، فقد خابت الآمال الأمريكية في جماعة الإخوان، بعد عجزها في سوريا وسقوطها في مصر، وانفلتت وحوش تنظيم داعش من عقالها، ولم يعد بالإمكان السيطرة عليها، لتصبح أضرارها أكثر من منافعها، ولم يحقق تنظيم داعش الهدف منه، وهو إسقاط أي من سوريا أو العراق، بل راح ينشر الخراب في كل مكان، دون أن يفرق بين العدو والصديق.
الصدمة كانت ثقيلة علي أردوغان، فهو الذي كان يستعد لارتداء عمامة الخلافة العثمانية، وكان الأشد حماسا للتحالف مع الإخوان وداعش، ليكونا حصانيه عندما يفتح الشام ومصر وشمال إفريقيا، وها هو يفقد كل شيء، بل أكثر من ذلك خسر الأغلبية البرلمانية، ومضطر إلي اقتسام حكم تركيا مع آخرين، ولم يعد بإمكامه تعديل الدستور، لتحويل نظام الحكم إلي نظام رئاسي يضع معظم السلطات في يده وحده.
كان أردوغان قدم تنازلات مهمة لأكراد تركيا، ليضمن ولاءهم أثناء حروب الفتح في الشام ومصر، بل وعدهم بتعديل الدستور ليمنحهم أكثر، ورأي أن بعض العطايا لا تضر، طالما دولة الخلافة واسعة، ومليئة بالخير.
انتبه أردوغان إلي أن جنين الدولة الكردية المستقلة قد نما كثيرا، وأن أعضاءه في العراق وسوريا قد ظهرت ملامحها، ولم يعد أمام اكتمال الدولة الكردية إلا انضمام شطرها الأكبر في تركيا، وعندما حاول إطلاق الوحوش الداعشية علي الأكراد في كوباني، لم تتمكن من كبحهم، وهو ما أثار استياء أردوغان من وحوشه الداعشية، وأبدي غضبه ونقمته عليها، وبدأ في معاقبتهم، ربما يتحسن أداؤهم، لكن الوحوش فهمت أن سيدها لم يعد سيدها، واستعدت لنهشه.
ليس أمام أردوغان الخاسر إلا المقامرة، وسيخوض الحرب بجيشه، فإما أن يربح ما يعوضه أو يخسر كل شيء، لتكون المغامرة الأخيرة.
إسرائيل كانت الخاسر الثاني، رغم أنها كانت تكتفي بمراقبة نيران الحروب وهي تلتهم أعدائها مدينة تلو الأخري، وربما قدمت مساعدات خفية أو مكشوفة قليلا لجبهة النصرة وبعض التنظيمات التي تمنت أن يتوجهوا بأحزمتهم الناسفة وسياراتهم المفخخة لضرب حزب الله، الذي لا تنسي أنها عجزت عن هزيمته في عامي 2000 عندما خرجت من جنوب لبنان وهي تهرول ليلا، بدون قيد أو شرط، وفي عام 2006 عندما عجزت عن تحرير أسراها، وعاشت أعنف أزمة داخلية، عندما اضطر معظم مواطنيها إلي المبيت في الملاجيء خوفا من وابل الصواريخ. فحزب الله الذي يخوض الحرب إلي جانب سوريا لم يخسر الكثير من مقاتليه، بل اكتسب خبرات جديدة أثناء الحرب في سوريا، خاصة في معارك القصير والقلمون والزبداني، ويستخدم أسلحة جديدة، بينها طائرات بدون طيار، ودرب متطوعين سورييين علي حرب المدن والشوارع.
أما أسوأ ما تذكره إسرائيل (في صحيفة هآرتس) أن العدوة إيران ستصبح أقوي بكثير، بفضل 50 ألف عالم في مجالات التسلح، تمكنوا من صناعة صواريخ باليستية تصل إلي الفضاء، وطائرات بدون طيار بالغة الدقة، وأقمار صناعية للتجسس والاتصالات وغيرها، ومنظومة دفاع جوي لا تقل كفاءة عما بحوزة إسرائيل، وأن الغاء الحظر سيضاعف من قوتها 3 مرات.
دولة قطر أقل الخاسرين الجدد، فقد سلمت ملف إدارة جماعة الإخوان وداعش مبكرا، وتقاعد أميرها، وسلم ابنه تميم الحكم، بعد الفشل في سوريا، وتقلص دور قطر كثيرا، حتي أن عنوانها البريدي أصبح قناة الجزيرة، التي فقدت الكثير من مصداقيتها، لكنها مازالت تردد أناشيد عودة الإخوان، وانتصارات وهمية لداعش في العراق وسوريا.
سوريا والعراق يحققان تقدما بطيئا، لكن إيقاعه يمكن أن يتسارع في الشهور المقبلة، فقد دخل الجيش السوري مدينة الزبداني، التي كانت أول مدينة تسقط في أيدي الإرهابيين، كما دخل الحسكة وتدمر، وهما في قلب أراضي الدولة الإسلامية في العراق والشام «داعش»، ويقابله من الشرق جيش العراق محاصرا الرمادي والفلوجة، في مؤشر علي قرب انهيار داعش.
إن انفراط عقد الدول الداعمة للجماعات الإرهابية قد أصبح حقيقة، ولم يتمكنوا من إيجاد قوة بديلة تسد الفراغ الناشيء عن إنهيار داعش، وكانت محاولة تعويم جماعة الإخوان، وإنشاء ما يسمي «المعارضة المعتدلة» سوي جهود يائسة لتخفيف الخسائر، لكن جماعة الإخوان لم تعد كما كانت، وحتي ثفتها بداعميها اهتزت بشدة، وكذلك لا يتحمس داعموها كثيرا لإعادة تعويمها، لأنها فشلت وهي في ذروة قوتها، ولا يمكن التعويل علي أن تحقق لهم الكثير.
























