شبكة نوى، فلسطينيات
اليوم الخميس 17 سبتمبر 2026م01:25 بتوقيت القدس

اللغة كسلاح أيديولوجي

01 اعسطس 2015 - 02:47
شبكة نوى، فلسطينيات:

بقلم - محمد فرج

اللغة كسلاح أيديولوجي، التماثل التضليلي في لغة الخطاب السياسي، تمرير المساواتية العدمية بين الخيارات المتاحة، بناء خيار ثالث تطهري خارج دائرة الفعل السياسي، خلق حالة التماثل بين الاتحاد السوفياتي والولايات المتحدة الأمريكية، خلق حالة التماثل بين إيران والسعودية، خلق حالة التماثل بين حزب الله وداعش.

لا يمكن الانطلاق من الصفر، كما لا يمكن الاستغناء عن الشروط الخاصة في سياق أي تحالف، فأي تحالف يوفر شروط الاحتفاظ بالشروط الخاصة؟

بريطانيا هي الدولة التي ألحقت وصف “العظمى” باسمها بشكل شبه رسمي، الولايات المتحدة الأمريكية لم تفعل ذلك بعد نهاية الحرب العالمية الثانية وبعد انحسار الدور الفرنسي والبريطاني عالمياً، لكنها فضلت على ذلك وصف “القوى العظمى الجديدة”، الولايات المتحدة الأمريكية والاتحاد السوفياتي معاً، “The two super powers” كما أشار الباحثان بادل فورد ولنكولن عام 1967م في بحث “The dynamics of international politics”.

كانت تلك وصفة أفضل لغايات التماثل والتسوية، قوتان عظيمتان تتنافسان لفرض السيطرة، وليس مدرستان تتصارعان على صياغة شكل العالم، قوتان عظيمتان تتنافسان في طموحاتهما الاستعمارية، وليس طرفان أحدهما يحاول تعميم نموذجه من خلال شد القيد، وآخر يحاول تعميم نموذج مقابل من خلال فك القيد.

مدرسة رأسمالية تدرك أن لا حياة لأفكارها دون التوسع، توسع على قاعدة واحدة لا مفر منها، تأكيد تخلف ما أسمته بنفسها العالم الثالث، وتعزيز هذا التخلف، وإبقائه في حالة القبول الاضطراري لهذا التوسع، أن يبقى سوقاً، سوقاً فقط. في المقابل مدرسة اشتراكية، أدركت منذ اللحظات الأولى لولادة مشروعها، أن لا مفر من التوسع أيضاً (“لا يمكن أن تنهض الاشتراكية دون أن تتوسع حتى باتجاه الغرب”)، ولكنه توسع آخر، فتحويل “العالم الثالث” إلى أسواق لم يكن ليخدم اقتصاداً لا سوق فيه! توسع يرتكز على تحرر الأطراف المشاركة فيه، مشاركة بمآلات ندية وليس بمآلات تبعية، كي يتم إنقاذ هذا التوسع أساساً. إن الاختلاف في صيغ هذا التوسع، هو بالضبط الذي أربكنا في فهم حدود دعم الولايات المتحدة لحلفائها، وحدود دعم الاتحاد السوفياتي لحلفائه، وأربكنا في معنى تدخل كل منهما خارج الحدود الجغرافية الرسمية، فجعل من تدخل الاتحاد السوفياتي في تشيكوسلوفاكيا، كما هو معنى تدخل الولايات المتحدة الأمريكية في قصف بنما، بينما كانت الأولى لمنع تحويل براغ إلى منطقة نفوذ، والثانية لتحويل قناة بنما لمنطقة نفوذ.

سمة القوى العظمى المتنافسة كانت تخدم الولايات المتحدة الأمريكية أكثر من احتكارها، بصفة رسمية أو غير رسمية، لوصف “العظمى”. لغة الخطاب السياسي والإعلامي هكذا تحول الواقع إلى نزاع بين إمبرياليتين بدلاً من مدرستين تتناحران في موقف من نمط الوجود الاجتماعي والاقتصادي.

هذه السمة أصلت حالة من التماثل في وعي الشعوب، فباتت الولايات المتحدة الأمريكية والاتحاد السوفياتي قوى متماثلة في الهيمنة والسيطرة والاستعمار، وتم تقسيم العالم إلى “مناطق نفوذ”، بدلاً من تقسيمه إلى قوى تحاول تحرير الأسواق لصالح الاستعمار، وقوى تطمح إلى لجم هذه السياسات لصالح بناء آخر.

وهذا التماثل المستحث لغوياً، أدى إلى مآلات آخرى، وعي التسوية، أن القوتان المتنافستان، لا بد لهما من تسوية ما، في سياق تقاسمهما للعالم، فأصبحت الاتفاقيات والمؤتمرات العالمية التي تجمع بينهما تعبيراً عن هذه التسوية، بدلاً من وصفها بما هي عليه أصلاً، صراعات تعبر ساحات متعددة، الخشنة والناعمة، تشبه تماماً التداخل بين الفعل المقاوم الشرس للثوار في فيتنام وجلوس قياداتهم على طاولة المفاوضات، للتفاوض ضمن خطوط حمراء لا يمكن تجاوزها، مفاوضات لا هوامش فيها لإلقاء السلاح والاستسلام.

ومن المآلات الأخرى لوعي التماثل هذا، تجمد الحركة الوطنية، ليس هنالك ما يمكن فعله سوى الانحياز لأحد “طرفي الهيمنة”، بدلاً من الإنحياز لإحدى مدرستين، واحدة منهما توفر شروط الصعود والتحرر، وواحدة تقوم على قمع هذه الشروط. وهذا التجمد يتداخل مع مساواتية في خيار الانحياز، مساواتية قائمة على اليأس والإحباط واللاجدوى، وقائمة على اتخاذ الموقف السياسي بالقرعة!

ويجري تعميم هذا التماثل في الواقع السياسي اليوم، وإن كان يعبر عن فجوات أقل حدة من السابق، الولايات المتحدة الأمريكية والاتحاد الأوروبي واليابان هي مشاريع رأسمالية توسعية، والبريكس كذلك. إمبريالية أمريكية في مواجهة إمبريالية روسية. السعودية دولة دينية، وإيران دولة دينية. داعش تيار ديني طائفي، وحزب الله تيار ديني طائفي. هكذا يجري تعميم وعي التماثل.

ما نجح في تكريس وعي التماثل ووعي التسوية الممكنة وجمود الحركات الوطنية في الداخل، يعاد إنتاجه الآن وهنا، فيجري التعمية على صيغ الواقع الحية… الإمبريالية العالمية ما زالت تحتفظ بقياداتها التقليدية، ثالوث الاحتكارات، وهنالك قوى قررت أن تخوض مقاومة هذا النمط والخروج من دوائره، قوى استقلالية تنزع للخروج من المنظومة التي فرضها الثالوث نفسه، ولكي تفك القيد فهي بحاجة إلى شركاء يمتلكون الرغبة ذاتها، روسيا المحاصرة بقائمة طويلة من العقوبات الاقتصادية -تم تجديدها مؤخراً من قبل الاتحاد الأوروبي، في ذكرى الهجوم النازي على الاتحاد السوفياتي 22 حزيران/يونيو عام 1941م- تريد أن تفتك من الهيمنة دون أن تهيمن، لذلك هي تبحث عن أطراف تتعرض مثلها لقائمة عقوبات، أو أطراف مستعدة لتتحمل معها عقوبات مماثلة. البريكس يبني بنكاً خاصاً لا يبحث عن تسويات مع البنك الدولي، وإنما الخروج من دوائر هيمنته، فمن يريد الركوب معهم على طريق الخروج، مع الاحتفاظ بشروطه الخاصة التي لا يمكن عرضها في اجتماعات البنك الدولي؟ روسيا غير السوفياتية، لا تخاصم في الأمم المتحدة لتقاسم النفوذ، وليس لأنها تمتلك مدرسة فكرية مختلفة كما كان الاتحاد السوفياتي، ولكن لأنها تمتلك وضعية لقتصادية مختلفة اليوم، مختلفة عن وضعية الولايات المتحدة الأمريكية والاتحاد الأوروبي، وضعية اقتصادية تنزع للدفاع والافتكاك والتحالف وليس للهيمنة وبسط النفوذ، وضعية اقتصادية تمنحها حق مواجهة التماثل والبراءة منه.

المؤتمرات الدولية والاتفاقيات والمفاوضات التي تخوضها إيران لا تشبه مثيلاتها التي كان يخوضها الاتحاد السوفياتي، ولكنها أيضاً تستحق البراءة من أوهام التسوية التي تضعها في خانة الحليف “شرق الأوسطي” الجديد، رجل أمريكا الفتي القادم في المنطقة، البديل عن تركيا والسعودية القادم لترجمة السياسة الأمريكية. ليس هنالك في إيران، وبالتحديد في مكوناتها الشعبية وتياراتها السياسية ما يسمح بذلك، ومساواة إيران المدينة داخلياً فقط بـ 10% من ناتجها المحلي الإجمالي بتركيا المعتمدة اقتصادياً على الغرب والغارقة في ديونه، على عكس ما يعتقد الكثيرون، إنما هي نتاج وعي التماثل هذا، ووعي التسوية. وعي التماثل الذي تنتجه لغة الخطاب السياسي الجديد، يضعنا بين مشروعين، الأول مشروع الهيمنة الأناضولي، والثاني مشروع الهيمنة الفارسي، أو مشروع الهيمنة السني ومشروع الهيمنة الشيعي. ووعي التسوية يضع إيران في خانة المفاوض على قاعدة التسليم خلال صراعاتها في لقاءات الهيئات العالمية، الأمم المتحدة، وتقارير وكالة الطاقة.

وفي سياق متصل يجري تعميم التماثل بين حزب الله وداعش على أنها تيارات طائفية، واحد سني وآخر شيعي، وهذا التماثل يقود أيضاً إلى حالة من الجمود في اتخاذ المواقف إزاءها، وإعلان عدم الانحياز كنتيجة لهذا التماثل. ولكن ثمة فارق بين تيار يمتلك أيديلوجية دينية تحريرية، وآخر يكمل المشروع الأمريكي في التفكيك ويتحالف معه، ثمة فارق بين تيار طوع تجربته ثورياً (كربلاء) ونصه الديني وخطابه السياسي تعايشياً، تيار متجانس مع فكرة العيش المشترك الممكن بين مكونات المجتمعات المتنوعة، التي لا مفر من تنوعها، وتيار آخر يعتبر التنوع غاية للتكفير ومبرراً للغاية الأساسية للوجود، الجهاد، كما طرح سيد قطب في كتابه “هذا الدين”.

تبنت دول عدم الانحياز (مشروع باندونغ) مبادئ أساسية كان من ضمنها عدم الدخول في أحد الأحلاف المتصارعة، المعسكر الرأسمالي والمعسكر الاشتراكي، وكانت مآلات هذه السياسة هي إضعاف موقف معسكر لحساب آخر، هل كان من المستحيل الاصطفاف إلى جانب المعسكر الاشتراكي، مع الحفاظ على الشروط الخاصة لدول تعاني الفقر والتخلف مثل الدول الإفريقية ودول أمريكا اللاتينية والدول العربية التي شكلت العمود الأساسي لهذا التجمع آنذاك؟ لقد كان من الممكن لهذه الدول أن تعلن انحيازاً معقولاً ومدروساً بدلاً من استسهال عدم الإنحياز، كان ذلك سيصب في مصلحتها ومصلحة البشرية جمعاء. إعلان عدم الانحياز لا يفيد، ولكن إعلان الانحياز في سياق تحفظات وانتقادات غير خجولة، يعتبر عاملاً فاعلاً في التاريخ.

لا يمكن الانطلاق من الصفر، كما لا يمكن الاستغناء عن الشروط الخاصة في سياق أي تحالف، وهذا الشرط غير ممكن في ساحة التحالف مع الأمريكي والصهيوني (لا مغادرة الصفر، ولا الحفاظ على الشروط الخاصة في التحالف).

ليس من المهم أن نكرر كثيراً أننا لا نشبه النظام في إيران، ولا نشبه حزب الله، ولكن الأهم أن لا نسقط في فخ المساواتية العدمية بين إيران والسعودية، وداعش وحزب الله، وأن لا نخطئ في اختيار حلفائنا، عندها ستكون جريمة في حق السياسة، ولن تكون أكبر من جرائم اليسار الذي ساوى بين الاتحاد السوفياتي والولايات المتحدة.

لا يهم كثيراً أن اليمين صدر لغة التماثل، فقد بات ذلك سياسة اعتيادية، ولكن الأهم أن اليسار التقطه بسرعة وسنّ أقلامه معه.

اعتبر ستالين اللغة كمظهر من مظاهر البناء الفوقي فقط، واعتبرها ظاهرة قومية أصيلة، ولكن محمود أمين العالم، أضاء زاوية أخرى في “الماركسية وسرير بروكوست”، وهي أن التأثير بين الاجتماعي والاقتصادي إنما هو تأثير متبادل، وأن غلبة الاقتصادي في التأثير لا تعني تهميش كلي للاجتماعي. فيما اعتبر آخرون أن اللغة يمكن لها أن تكون سلاحاً أيديولوجياً وأداة تعزيز طبقي، كما أنها أداة لتعميم وعي التماثل والتسوية الممكنة والجمود في السياسة!
عن موقع "راديكال" الالكتروني

كاريكاتـــــير