بقلم - ياسمين الخطيب :
لا أعرف لماذا يُصر معظم المسلمين بعد كل حادثة إعدام شاذة يقوم بها «داعش»، على التأكيد أن هذه الأفعال ليست من الإسلام فى شيء! رغم أن التاريخ الإسلامي حافل بوسائل إعدام مروعة، مشابهة، بل ومطابقة فى بعض الأحيان لإعدامات «داعش»، ولا أقصد بذلك الإعدامات الانتقامية، كصلب الحلاج، وقتل السهروردي، وذبح ابن المقفع، أو الأفعال التى تدخل فى باب التمثيل بالجثة، مثل حمل الرؤوس بعد ذبح أصحابها، وهى العادة التي ابتدعها الأمويون، وكان أشهرها رأس الثائر الأعظم في التاريخ الإسلامي الحسين بن علي، ولكني أقصد تلك الإعدامات التي نُفذت فى أول عهد الإسلام، والتي يعتبرها كثير من علمائه في صميم التشريع الإسلامى، مثل عقوبة الإعدام حرقا أو رميا من علو شاهق، وكلتاهما عقوبة خاصة باللواط.
وقد اتفق الصحابة فى وجوب قتل اللائط، ولكنهم تنوعوا فى كيفية قتله، فمنهم من قال يُحرق، ومنهم من قال يُلقي عليه جدار حتى يموت تحت الهدم، وقيل أيضا يُرفع على أعلى جدار فى القرية ويرمى منه ويتبع بالحجارة -وهو الحكم الذى طبقه بالفعل «داعش» على أحد المثليين جنسيا، إذ قاموا برميه من أحد مباني بغداد الشاهقة- لكن الثابت أن «أبو بكر وعلى بن أبى طالب» أمرا بتحريق اللائط، ونُفذ الحكم.
وقد جاء فى «تاريخ الطبري» أن أبا بكر أصدر تعليمات لقادة جيوشه فى حروب الردة بتحريق بعض المرتدين، كما ورد فى «فتوح البلدان» أن خالد بن الوليد أحرق بعض الأسرى من المرتدين أيضا!
ونستخلص من ذلك أن الفكر الإسلامي ليس بريئا من عقوبة الإعدام عن طريق الحرق حيا، وهو ما تجاهله البعض عمدا أو جهلا، بعد واقعة إعدام الطيار الأردنى معاذ الكساسبة، مبررين ذلك بقول نبي الإسلام «لا يعذب بالنار إلا رب النار»، رغم أن الأمر بالنهى يتنافي مع ما سبق ذكره من تطبيق الصحابة الأوائل لعقوبة الإعدام حرقا، ورغم أنني ما زلت أتوقف عند صحة الحديث نفسه، إذ ورد فيه الأمر بالتحريق، ثم بعكسه! وفي ذلك تردد لا يليق بنبى الله الذى أرسل لهداية خلقه، ونص الحديث:
أن النبي (ص) بعث سرية، وقال لهم «إن وجدتم فلانا وفلانا فأحرقوهما بالنار»، ثم قال بعد ذلك «إني أمرتكما بإحراق فلان وفلان، والنار لا يعذب بها إلا رب النار، فإن وجدتموهما فاقتلوهما»!
على أي حال استمر استخدام الخلفاء الأمويين لعقوبة الإعدام حرقا، ثم طورها العباسيون بعد ذلك فكانوا يقومون بشي المحكوم عليه بالإعدام على نار هادئة حتى الموت، كما تشوى الذبيحة.
أما عن التعذيب حتى الموت فقد ورد فى حادثة العرنيين الشهيرة، أنهم بعد الاستيلاء على إبل النبي، قتلوا راعيها وغرزوا الشوك فى عينيه، وقطعوا يديه ورجليه ولسانه حتى مات، ولما علم النبي أمر بقطع أيديهم وأرجلهم وسمل أعينهم وإلقائهم فى الشمس حتى ماتوا، عملا بمبدأ القصاص، الذي يبيح تطبيق الفعل على فاعله مهما كانت بشاعته.
قد يظن البعض أن هذا المقال يراد به تشويه الإسلام، ولكني لا أريد إلا تطويرا وتصحيحا، فعقوبة الإعدام حرقا طبقتها المسيحية أيضا في ما مضى، خصوصا فى العصور الوسطى، حيث أحرقت محاكم التفتيش ألوف المسلمين، وأحرقت الكنيسة نساء كثيرات بتهمة ممارسة السحر، كما أحرقت فلاسفة كثراً خوفا من التنوير.. التنوير الذي انتصر فى النهاية، فأصبحت المسيحية فى صورتها الراقية السمحة، المعروضة أمامكم الآن.. التنوير الذي هو سلاحنا الوحيد للانتصار على «داعش»، لأن حربنا الحقيقية مع «التطرف الفكري» وليست مع «داعش»، فإن لم تواجهوه وتنتصروا عليه فأبشروا بألف وألف «داعش».
























