كتب - حسن عصفور:
في خطوة تبدو "مفاجأة" من العيار الثقيل، اعلن وزير الخارجية التونسي الطيب البكوش، أن قرار الجامعة العربية بتعليق العلاقات مع سوريا كان موقفا خاطئا..موقف يعكس ما تردد عن قيام الحكومة التونسية من اعادة النظر لعودة العلاقات الديبلوماسية مع دمشق وفتح سفارتها..
وتبدأ رحلة "المفاجأة" من أن الحكومة التونسية حكومة "إئتلافية" تضم فيما تضم حركة "النهضة" التي تمثل فرعا من فروع جماعة الإخوان المسلمين، وهذه الجماعة تمثل أحد القوى المقاتلة للنظام وتعمل في إطار تحالف للمعارضة تحت رعاية تركية – قطرية، وكأن "النهضة" ترسل رسالتها "الانفصالية" بأن شعار "الجماعة فوق الجميع"، لم يعد هو "سيد الموقف"، وأن "البيعة للمرشد" انتهى عصرها..وراشد الغنوشي زعيم النهضة التونسية يشتق "طريقا خاصا" نحو "فك الارتباط" مع الجماعة التي تفقد مكانتها يوما بعد آخر..وكأنه يعيد "سيناريو حسن الترابي " مرشده الفكري ثانية..
بالتأكيد، لا يمكن النظر للخطوة التونسية بعيدا عن "التراجع الأميركي" الواضح في المشهد السوري، من "العداء المطلق" وتجنيد كل أشكال القوى لـ"إسقاط الدولة - النظام"، وحماية الموقف التركي لفتح "ممر آمن" للارهاب نحو سوريا، الى البحث عن "حل سياسي" ما ترتب عليه تعيين ممثل جديد لها في الموضوع السوري، بعد أن أطلق الرئيس الأميركي تصريحاته أثر توقيع "الاتفاق النووي"، بأن الحل في سوريا يجب أن يعتمد على مشاركة فاعلة لروسيا وايران وتركيا..
الإنقلاب الأميركي من الأزمة السورية، لم يأت نتاج "وعي متأخر" من الإدارة الأميركية لتطورات الميدان العسكري - السياسي في الداخل السوري، مع أهمية ذلك، لكنه جاء كإنعكاس منطقي لمنتجات "الاتفاق النووي" مع إيران، والتي تشكل طرفا رئيسيا لدعم سوريا الدولة والنظام، دعم بكل ما يمكن لإيران تقديمه ماليا – عسكريا وسياسيا، تقاتل مع الجيش السوري ومعها حزب الله، دون أي مواربة وتعلن أن المعركة معركتها أيضا، وهو ما أوصل الرئيس بشار الأسد ليعتبر المواطنة السورية ليس لمن يسكن ويحمل جنسية البلد بل من يقاتل ويحمي..رسالة لا سابق لها تشير لقيمة ايران في المعادلة السورية..
أمريكا أدركت تماما أن "هزيمة الدولة – النظام السوري لم تعد ممكنة، بل أن هناك تطورات ميدانية ستقلب قواعد المعركة لمصلحة الدولة – النظام، بدعم عسكري مالي غير مسبوق ايراني - روسي، ما قد يطيح الأوهام المنادية بإسقاط النظام..بينما المعارضة أصلا لم تعد طرفا واحدا مقسمة وفقا للراعي والممول، وأجنحة عسكرية لم تعد ملامحها محددة بين "داعش" و"النصرة" وجيوش بأسماء مختلفة، تقاتل النظام وتتقاتل فيما بينها، أجنحة وفصائل بدأت تقود المشهد الى منزلق قد يمثل "خطرا على المصلحة الأميركية" وعلى حلفائها..
تطور سياسي جديد لم يكن ضمن حسابات أمريكا وحليفها الرئيس في الحرب على سوريا، نظام أردوغان، بعد خسارته أوهام إعادة "حلم السلطنة"، تطور مشاركة الأكراد بقوة عسكرية حاسمة تمكنت من طرد مجموعات الارهاب من مدن سورية لتبدأ برسم "مشهد سياسي مختلف"، أشعل نار الرغبة الكمينة في "العقل الكردي"، لخلق حالة كيانية شمال سوريا وجنوب تركيا..
مشهد تعلم أمريكا وتركيا أنه قد يقلب معادلة الواقع كليا ليس لضرب سوريا بل لاحياء بناء دولة لم يكن مسموحا بوجودها، نشطت الحركة الشعبية لأكراد تركيا تتعاطف وتدعم "الأشقاء" في شمال سوريا ضد "داعش" ومن يساندها، وهو ما يشكل خطرا مباشرا على تركيا، فكانت المهاتفة الحاسمة من أوباما لأدروغان " للخلف در"..
تراجع تركي سريع ومرتبك في آن عندما أعلنت أنقرة مشاركتها في الحرب على "داعش"، والحقيقة انها تقاتل الأكراد أكثر، لكنها انتزعت نفسها لتنتقل الى موقع جديد، دون أن تتخلى عن "اطماعها السياسية في الشمال السوري" لإقامة "منطقة عازلة" هدفها الأساس منع قيام "حالة كيانية كردية" وليس حربا لتطهير "داعش"..
تحولات كلها جاءت لتخدم سوريا الدولة والنظام، ومثلت مظهرا تراجعيا للموقف التآمري الأميركي – التركي ومعهم دولة قطر والجماعة الاخوانية..
المشهد السوري بدأ من جديد لرسم لوحة تتجه نحو "حل سياسي" يكسر شوكة المؤامرة التقسيمية وخلق حالة جديدة من "التبعية"..
خطوة تونسية تكشف ملامح ان القادم للمنطقة لن يقف عند حدود عبارة تصويبية في علاقة ديبلوماسية، لكنها رصاصة على صدر المؤامرة الكبرى التي حاولها "حلف الشيطان الأكبر" بتكوينه القديم والجديد..
هي البداية ولكن النهاية لم تأت بعد رغم إطلالتها...
ملاحظة: هل تسارع الرئاسة الفلسطينية ورئاسة فتح العمل سريعا لحماية مخيم عين الحلوة وتتصدى لخطر ارهابي مدفوع الأجر..البلادة هنا محرمة!
تنويه خاص: ان تقرأ تصريحات لعدد من أعضاء التنفيذية بأنهم "لا يعلمون" عن مفاوضات عريقات شالوم شيئا..وأنه لا قرار بها، لن تصاب بصدمة لأن القاعدة هي تلك وغيرها النادر جدا إستثناء..!
























