غزة-نوى-شيرين خليفة:
لم تترك السيدة أم شادي بائع أسماك في سوق معسكر الشاطئ بمدينة غزة؛ إلا وسألته عن سمك السردين الذي ترغبه دون جدوى، تقول لـنوى بعد جولة شاقة إلى سوق آخر:"حتى في سوق الشيخ رضوان لم أجد،، كغزيين نرغب دوماً بتوفر السمك، فقربنا من البحر جعلنا شعباً عاشقاً له بكل أشكاله وأصنافه، إلا أنني أبحث عن السردين لتلبية رغبة ابنتي، لكن السمك شحيح جداً في السوق وهذا".
تلخّص أم شادي حال الكثير من الغزيين ممن بحثوا عن السمك في أسواقهم فلم يجدوه، فمثل هذا الوقت من العام يشهد شحّاً في توفر السمك بسبب موسم التزاوج الذي يحين في شهري يونيو ويوليو من كل عام، ليغيب عن موائد الغزيين ويزيد من معاناة الصيادين الذين يتعرضون للاعتراض المستمر من قبل الاحتلال الاسرائيلي أثناء صيدهم في عرض البحر.
شحّ واعتداءات
جولة على ميناء غزة حيث ينهمك الصيادون في حياكة الغزل، بعد شهر رمضان الذي عانوا فيه أيضاً من استمرار المضايقات الإسرائيلية التي زادت وضعهم سوءاً فلم يتمكنوا من دخول البحر لمسافات تسمح لهم بالصيد الحر.
يقول الصياد خليل أبو ريالة أن الصيد عادة يكون شحيحاً في مثل هذا الوقت من السنة "يونيو-يوليو"، فالسمك يتجه غرباً إلى عمق البحر، ولا يبقى في المياه المحلية إلا بذر السمك أي السمك الصغير الذي يعتبر طعاماً للسمك.
يضيف أبو ريالة:"لا يوجد أي نوع من السمك حالياً، ونضطر لاصطياد السمك الصغير، نعرف أنه يستخدم فقط كطعام للسمك، ولكن نضطر لذلك في ظل عدم وجود السمك الصالح للصيد، وعدم تمكننا من الوصول إلى عرض البحر، فنحن نصل فقط لنحو خمسة أميال، بينما يلزمنا أكثر من 10 أميال داخل البحر للصيد الجيد، لكن الاحتلال يعترضنا".
أما الصياد محمد الغندور "26عام"، والذي كان قد تعرض لإصابة من قبل الاحتلال الإسرائيلي، فشرح لنوى كيف يعترضهم الاحتلال بقول :"دخلنا البحر لنصيد، فلحق بنا الطرّاد الإسرائيلي وأطلق علينا النار بشكل مفاجئ وعشوائي ودون إنذار رغم أننا لم نكن قد تجاوزنا المسافة التي يسمحون بها، فأصبت وأنقذني زملائي بسرعة بالعودة إلى الشاطىء".
يتابع:" يعتدوا علينا بإطلاق النار، وعادة حتى جنود الكوماندوز يهاجمون المراكب ويعتدوا على الصيادين بالضرب، ويطلقوا النار على المراكب، الصيد أصبحت مهنة خطيرة جداً بالنسبة لنا، ولا يوجد سمك إلا داخل البحر".
يكمل:"في الفترة الأخيرة اعتقلوا ما بين 60-70 صياد، واعتدوا على مراكب، وهذا ليس جديداً".
أما الصياد أحمد الهسي "64عام" والذي كان يتفحص موتور مركب الصيد الخاص به "اللنش"، فقال:"الصيد سيء ولا يوجد سردين إطلاقاً وغزة تعشق السردين، فلا يوجد سمك في البحر، كل المتوفر هو بذر السمك".
يعمل الصياد الهسي في هذه المهنة منذ 50 عام، يساعده حالياً ابناؤه الخمسة ولا يعرفون مهنة غير الصيد التي يتعامل معها غالبية أصحابها كمهنة بالوراثة.
مهنة عُمر
يقول الهسي:"ننفق في كل طلعة إلى البحر 1500 شيكل كوقود للنش، في الأيام العادية يتم تعويض هذا المبلغ من مجموع الصيد، ولكن في هذه الحالة ركود المركب خيراً من أن تسرح بلا جدوى".
يتابع:"لو تمكننا من الوصول لمسافة 12 ميل في عرض البحر سيكون الوضع أفضل لكن الاحتلال لا يسمح لنا بذلك بل ويعتدي عادة على الصيادين".
يخرج الصيادون عادة للصيد منذ الساعة السادة مساءً، ويعودون في السادسة من صبيحة اليوم التالي، أي 12 ساعة في عرض البحر، يصلون ويقومون في عرض البحر، ويحددون اتجاههم مستعينين بالخبرة وببوصلة معهم على المركب.
يقول الصياد الخالد الهبيل:"بسبب شح السمك ما هو متوفر لا يكفي حاجة السوق المحلي، بل نضطر نحن الصيادين أحياناً لشراء السمك المثلج، الحصار أثّر علينا كثيراً، فحركتنا داخل البحر محدودة".
ويحكي الصياد الهبيل عن أفضل شهور السنة للصيد بقول :"عادة الربيع والخريف هما الأنسب، حتى ان الصيادين اعتادوا تنفيذ حاجاتهم الاجتماعية من بناء وإتمام زفاف في مثل هذا التوقيت من السنة حيث يكون الوضع الاقتصادي لهم أفضل من أوقات أخرى، رغم أن الاحتلال أيضاً يعمل على عرقلة حركتهم ومنعهم من الوصول لمسافة تزيد عن 6 ميل التي لا يبلغوها أصلاً".
عن حياتهم داخل البحر يقول:"في رمضان كنا نأخذ إفطارنا وسحورنا ونمارس حياتنا بشكل عادي، وحتى صلاة التراويح نؤديها بشكل عادي بعد أن نحدد اتجاه القبلة".
يصف الهبيل الوضع الاقتصادي للصيادين بالسيء جداً، مضيفاً:"أنا وأبنائي نعمل في نفس المهنة، هناك صيادون يحصلون على كوبونات تساعدهم قليلاً في حياتهم ولكن ليس الجميع يتمكن من الحصول عليها".
تستمر معاناة الصيادين مع استمرار سياسة الاحتلال في التضييق عليهم، أمراً يؤكد أنه حتى الاتفاقات السياسية ليست كافية لحمايتهم ما لم تتوفر ضمانات دولية بحفظ حقوقهم في الدخول لمسافات تسمح لهم بالصيد الحر.
























