تتصاعد وتيرة الجرائم المرتكبة بحق النساء... ففي كل يوم ترتكب أكثر من جريمة بحق أكثر من امرأة من جنوب فلسطين وحتى شمالها، وتمر علينا مرور الكرام، فصاحباتها لا يشتكين في معظم الأحوال، وإن اشتكين ففي صمت وسريّة تامة وبما يتلاءم مع ثقافة المجتمع، وبما لا يخدش "سمعة" الأسرة أو حتى "سمعة" المجتمع الذي عرّفناه سابقا على أنه مجتمع "التكافل" ومجتمع "النخوة" واكتفينا بهذين التعريفين دون أن نبذل أي جهد لإعادة تقييم ذلك.
في كل يوم هناك جرائم، لا نسمع عنها إلا إذا وصلت الفضاء العام، أو تعدّت درجة معينة من "القبول" المجتمعي حتى ولو كان هذا "القبول" مقبولا من البعض ومرفوضا من البعض الآخر.
في كل يوم هناك جرائم، تستفزنا عندما نقرأ عنها، ولكن سرعان ما يغرق بعضنا في إيجاد المبررات لها ليقنعنا بأننا بخير، ورجالنا بخير وما زلنا مجتمع "التكافل" ومجتمع "النخوة"...
لعلّ الحادثتين الأخيرتين واللتين نجم عنهما قتل فتاة في طولكرم وامرأة في بيت لحم، كانتا وراء كتابتي لهذه المقالة، والتي سأنتقد فيها وبصوت عالٍ، الثقافة المجتمعية التي ما زالت تبحث عن مبررات لقتل النساء، فما سمعناه منذ قتل الاثنتين من إشاعات وتبريرات للقتل وصلت حد كتابة مقالة من قبل إعلامية تطالبنا فيها بأن نحترم فيها مبرر قتل الفتاة التي قتلت في طولكرم، فوالدها على حد تعبير هذه الإعلامية فقير ويناضل من أجل العيش، ونجاح ابنته كان يشكّل طموحه وأمله في الحياة، وبالتالي علينا أن نتقبّل قتلها رحمة بذلك الوالد الذي علّق آماله على نجاح ابنته في الثانوية العامة...نجاح ابنته في امتحان أثبت فشله ولم يقتنع المسؤولون بعد بفشله، وبدل أن ننتقد فشل هذا النظام، وبدل أن ننتقد غياب العدالة الاجتماعية وفرص العيش اللائق، وبدل أن ننتقد استضعاف الفتيات والنساء، نتقبّل قتلهن كيف لا وهنّ وعبر السنين كنّ وما زلن يمثلن القرابين التي نقدّمها للاستمرار في العيش، فهنّ القرابين التي نقدّمها لبيوت الزوجية وهنّ صغيرات لكي نتخلّص من مصروفهن أو نضمن نسبا يساعدنا على العيش، أو حتى لضمان عدم تسرّب المال والأرض للغريب أو لضمان استمرار أواصر الدم والقرابة في مجتمع عشائري لا يحترم إلا القوي والقوة لا تتأتى إلا بالعزوة... وهنّ القرابين التي نقدّمها لزوج عصبي المزاج، أو مصاب بأزمة من أي نوع فيحق له ضربهن للشعور بالنشوة والقوة من جديد، وهنّ وهنّ ...
أما امرأة بيت لحم، والتي قتلت في الشارع العام وأمام مرأى ومسمع الناس دون أن يقدم أحد على إنقاذها فقد تفنّن الجميع في إثارة الشائعات لإقناعنا بأن زوجها على حق، وبأنه لا بدّ وأن هناك سببا يستدعي قتلها، فيصبح القتل وسبحان الله حلالا عندما تكون الضحية أنثى، ويسارع مجتمع "التكافل" لعقد جلسات عشائرية وتحديد مبلغ الديّة الذي سيتم جمعه من كل أبناء عشيرة القاتل، لتصبح المرأة مرة أخرى مجرد قربان لا مكان له في الدنيا، وكما نبيعها عند الزواج بالمهر والمقدّم والمؤخر والمصاغ، فيمكننا بيعها مرة أخرى لتقتل ما دامت الديّة ستجمع...
ليس هناك مبرر للقتل...ليس هناك ما يبرر انتهاك الحق في الحياة... وليس هناك دولة أو مشروع دولة ما زالت تعتمد على العقلية العشائرية... المطلوب احترام القانون، واحترام الحق في الحياة ومعاقبة الجناة، وكل المبررات مرفوضة...نرفض تقبّل القتل.... نرفض تهميشنا والاستهتار بنا حد الاستهتار بحياتنا، ونرفض كل الإجراءات التي تحمي القتلة، ونرفض كل التبريرات التي تدّعي بأنها تحافظ على وحدة وتماسك المجتمع، فتماسكنا ووحدتنا لا يقويان إلا بالحق، فأين الحق بحق الله مما يجري ويصاغ؟!
























