شبكة نوى، فلسطينيات
اليوم الخميس 17 سبتمبر 2026م17:45 بتوقيت القدس

وأخيراً..

#رام الله_القدس_وبالعكس!

15 يوليو 2015 - 21:27
مراسلة نوى تزور القدس للمرة الأولى
مراسلة نوى تزور القدس للمرة الأولى
وفاء عاروري
شبكة نوى، فلسطينيات:

القدس المحتلة-نوى-وفاء عاروري:

لم نعتد كفلسطينيين نسكن مدينة رام الله، ونحمل هوية الضفة الغريبة، على استخدام خط سير رام الله_ القدس وبالعكس، فسيطرة الاحتلال الاسرائيلي الكاملة على العاصمة الفلسطينية، جعلت هذا الخط شبه ملغيا لسكان المدينة، على الرغم من أن المسافة التي تفصل بين المدينتين فقط 19 كيلو مرت، إلا أن حواجز الاحتلال قطعت أواصرهما.

ولأن سلطة الاحتلال، لم تستثني أحداً من قيودها على دخول مدينة القدس، فإن الصحفي كغيره من أبناء شعبه بات محروما حتى من التغطية الإعلامية في المدينة، على الرغم من أن قانون الحصول على المعلومات على المستوى الدولي يضمن للصحفي ذلك.

أحد عشر عاماً فصلتني عن زيارتي الأولى للمدينة المقدسة، كنت حينها طفلةً بعمر الزهور، لتكون اليوم هي زيارتي الثانية، بعد كل هذا الزمن.

ورغم أن الاحتلال قدّم تسهيلات للمواطنين الفلسطينيين خلال شهر رمضان المبارك؛ مكّنت مئات الآلاف من زيارة مدينتهم المقدسة والصلاة في المسجد الأقصى المبارك، إلا أن عدم استساغتي لفكرة "منح سارق الأرض تصريحا لصاحبها"، في سبيل زيارتها، وقفت حاجزاً بيني وبين الحصول على تصاريحهم، فأبيت أن أدخلها إلا كصاحبة أرض جاءت لتزور الوطن.

على الحاجز!

على حاجز قلنديا العسكري اصطفت مئات النساء تنتظر إشارة الجندي الإسرائيلي، ليسمح لهن بالدخول، فتمر المسنات بأمان في حين تمنع صغيرات السن في حال عدم امتلاكهن لبولصة التصريح، ورغم أن الأمر كان من الممكن أن يوقعني في تهمة انتحال شخصية، إلا أنني وبكل برود أعصاب ناولت الجندي وثيقة هوية "خالتي"، التي تبلغ "32 عاماً" من العمر، فكبرت نفسي عشر سنوات أخرى لأشتم رائحة القداسة في البلد المبارك، وفعلت!

لعل هاجس الخوف الذي حملته النساء على الحاجز جعل اصطفافهن أكثر ترتيباً ونظاماً مما تلاه، فبعد اجتيازهن للحاجز، وحال وصول حافلات النقل للقدس تحديداً، تدافعت النساء وتسابقن على الصعود، حتى أن إحدى المسنات كاد يغمى عليها من شدة الأزمة، وهو ما أثار حالة من التذمر بعد انطلاق الحافلة، فأخذت الحاجة تشتم المتدافعات وتذم عادة "العرب" في عدم التزام النظام.

كعك وفلافل..

بعد حوالي خمسة عشر دقيقة تقريباً، اصطفت الحافلة أمام باب العامود بالقدس وهرول الجميع من الحافلة مسرعين، لينتشروا في أنحاء البلدة القديمة، أما أنا ووالدتي، التي كانت ترافقني شبه صامتة، طيلة الرحلة، فقد دخلنا خلال باب العامود مباشرة، لنتمكن من لحاق صلاة العصر جماعة في المسجد، واقترحت الوالدة شراء الكعك والفلافل والماء والعصير أثناء مرورنا بسوق البلدة القديمة، كي لا نضطر لتحمل عناء العودة في ظل كل تلك الأزمة من ناحية، ولأننا قررنا أن نفطر على طعام مقدسي مبارك من ناحية أخرى.

إنها قبة الصخرة!

لحظة أن لمحت نور قبة الصخرة الذهبية، لم أدرِ كيف خررت ساجدة باكية، مستشهقة، ومرددة بعفوية؛ "الحمد لله يا رب الحمد لله"، وتكررت العبارة على لساني مراراً وتكراراً.

كان الحجاج في ذاك الوقت قد حجزوا لأنفسهم حصة في كل ركن من أركان المسجد والذي تبلغ مساحته حوالي 144 دونماً، واستعدوا لإحياء ليلةِ السابعِ والعشرين من شهرِ رمضان، والتي يعتقد أنها "ليلة القدر"؛ في المسجد.

في الوقت الذي اتخذت والدتي من إحدى الشجيرات في باحة الأقصى، مكانا قصياً لها، رحت أنا أتجول في ساحة الحرم، واقترب أكثر من المسجد، وابتسم للفتيات والفتيان الذين يكتبون أسماء أصدقائهم وأحبائهم، ويصورونها مع الأقصى، حتى أنني شاركتهم بكتابة عشرات الأسماء من أصدقائي مشتاقي القدس، ثم ذهبت لأكلم الحجيج الذين حضروا من كل أنحاء الوطن، لإحياء الليلة المباركة.

كان من بين المتعبدين، الحاجة عائشة سعيد "74 عاما" من مدينة رام الله، لم تزر المسجد الأقصى منذ خمسة سنوات، تقول:"كنا فيما سبق "تقصد قبل الاحتلال" نزور المدينة كل شهر تقريبا، ولكن الآن ننتظر سنوات كي نستطيع القدوم إليها، وحتى لو سمحوا لي فإنني بحاجة لأحد أحفادي يساعدني على الطريق، ولكن الاحتلال لا يسمح لهم طبعا."

عبرت حفيدتها سهاد صالح "20 عاماً" لنوى، عن سعادتها الغامرة بزيارة القدس للمرةِ الأولى في حياتها، قائلة: أكاد لا أصدق أنني بالقدس، أول ما رأتها عيناي بكيت كثيراً، شعورٌ لا يصدق بالفعل!"

رغم انزعاج الشابة "روز 31 عاما" من مدينة نابلس، من حجم الأزمة التي سببها العدد الكبير جداً من المتوافدين للصلاة في الأقصى، إلا أنها كانت سعيدة جداً بزيارتها للمدينة بعد 15 عاماً من الانقطاع، تقول:"كنت متضايقة من كثرة الناس ولكن حال بدئي بالصلاة انزاح عني كل التعب."

تتشابه حالة صالح مع الطفلة راما جابر، "15 عاما" من مدينة طولكرم، والتي تزور القدس للمرة الأولى أيضا، تقول:"كنا نمشي في البلدة القديمة، ولمحت شيئاً ما يلمع، لم أدرك أننا وصلنا المسجد ولكن حينما ركزت النظر، صرخت "إنها قبة الصخرة!".

في البلدة القديمة..

حين عدت إلى حيث ترقد والدتي، كانت ساحة المسجد قد امتلأت بمئات الآلاف من الفلسطينيين، الذين أحيوا ليلة القدر بالصلاة والدعاء، حيث ظل معظمهم في المدينة حتى ظهر اليوم التالي.

أما عن نفسي، فلم أستطع مفارقة القدس قبل قضاء يوم آخر، للاستمتاع بأجواء المدينة والتقاط بعض الصور، والمرور على عدد من المقدسات الدينية؛ الإسلامية منها والمسيحية، ابتداءً من جامع عمر بن الخطاب، ومروراً  بكنيسة القيامة، وانتهاء بأسواق القدس العتيقة، التي لم أستطع الخروج منها قبل أن أحمل معي شيئاً من رائحة القداسة، لأصدقاءٍ لم تر عيونهم نور القدس حتى الآن.

بعد يومين كاملين من العبادة والسعادة، انتهى بنا المطاف في محطة الباصات، ليكون آخر ما لفت انتباهي، ما كتب على لوحة معلقة على زجاج الحافلة، "القدس_رام الله وبالعكس!"

كاريكاتـــــير