شبكة نوى، فلسطينيات
اليوم الجمعة 23 اكتوبر 2026م02:48 بتوقيت القدس

الكهرباء قطّعت أطراف الطفل عثمان.. فمن المسؤول؟

25 فبراير 2013 - 01:00
شبكة نوى، فلسطينيات:

رام الله - نوى - أحمد يوسف:

يحدث في الوطن المطوق بالموت أن تحول لعبة في مدرسة طفلا إلى شبه عاجز، الطفل عثمان عزيز الرفاعي (8) أعوام،  من قرية كفر عين لم يكن يعلم حين خرج للعب في المدرسة عصرا، أن لمسه بدافع الفضول لكابل للضغط الكهربائي المرتفع - وضع عمدا - على ارتفاع قريب من الأرض سيفقده ذراعه وكتفه في الجانب الأيمن من جسده، وسيحول ذراعه اليسرى وقدمه اليمنى إلى أعضاء دون فائدة، ومهددة بالقطع في مراحل مقبلة.

تجاهل متعمد

في (15/10) من العام (2012) فتك كابلٌ للضغط العالي على ارتفاع (70) سم عن الأرض بقدرات عثمان الجسدية، فالطفل الذي لم يعلم يوما ماذا تعني الكهرباء، صعد إلى سطح المدرسة أثناء لعبه مع زملائه فذهب ضحية لإنسانية مهدورة، وبات فاقدا لاعضائه وجالسا على كرسي متحرك يقوده رفاقه، سألناه كيف حالك فأجاب: أنه بخير ويرغب في العودة إلى المدرسة بأسرع وقت ممكن، لكن حين طلبنا منه حمل ورقة بيده لم يستطع ذلك!

الذين نقلوا عثمان إلى المشفى أحسوا باستحالة وصوله مشفى رام الله على قيد الحياة، فلجأوا إلى حاجز عسكري قرب قرية النبي صالح، حيث تم نقله لمركز صحي في المستوطنة، قبل أن يستقر به الأمر في مشفى "تل هاشومير" بعد ذلك.

اطلعت على خمسة كتب رسمية وجهها المجلس القروي في قرية كفر عين لشركة الكهرباء طالبا إزالة الكابل ومحذرا من خطورته،  كان أولها في أواخر (تشرين أول) من العام (2012)، وآخرها في أواسط شهر تموز من العام ذاته.

ويوضح عم الطفل وعضو المجلس القروي آنذاك ناصر الرفاعي أن شركة الكهرباء تجاهلت الطلب تماما، ولم يصل للمجلس من الشركة أي كتاب رسمي حول الكابل الذي لايزود القرية أصلا بالكهرباء بل يمر فوقها ليزود قرية قراوة بني زيد، مضيفا أن الشركة مددت خلال شهر تموز من العام الماضي شبكة خاصة بالضغط العالي تحت الأرض وتركته معلقا في الهواء.

وبحسب الرفاعي فإن الشركة قامت في اليوم التالي بإزالة الكابل ووضعه في الشبكة الجاهزة تحت الأرض، فيما يشبه إخفاء ملامح الجريمة، وهو الأمر الذي لم يستغرق أكثر من ساعة واحدة فقط.

أما شركة الكهرباء فتبرر تأخرها عن إزالة الكوابل بعدم دفع المجلس للمبلغ المطلوب والذي يساوي (36) ألف شيقل، فيما يرفض المجلس القروي في كفر عين ذلك كون هذه الأسلاك لا علاقة لها بالكهرباء في القرية.

أطرافه قطعت والعلاج لم يبدأ بعد!

من العناية المكثفة إلى غرفة العمليات، رحلة ذهاب وإياب قضاها عثمان على مدى أربعة أشهر، أجريت خلالها عشرات العمليات التي باء أكثرها بالفشل، وتكررت لمرات عديدة وسط شكوك حول إمكانية استمراره على قيد الحياة.

ويقول والد الطفل عزيز الرفاعي أن الأطباء أخبروه أن المطلوب في الشهرين الأولين ضمان بقاء الطفل على قيد الحياة، وليس مهما ما الذي سيبقى من جسده أو سيقتطع منه.

بترت ذراع عثمان أولاً، لكن الكهرباء لم تتوقف عن التنقل في جسده فبُتر كتفه وألصق صدره بظهره، ثم انتقل العمل إلى ذراعه اليسرى والتي فُرّغت من كل مابداخلها، فلم يبقَ بها أعصاب ولا لحم ولا عضلات، وكذلك فعل الأطباء بقدمه اليمنى التي يقول والده إنه استطاع أن يطوّقها تماما بسبابته وإبهامه.

أما القدم اليسرى لعثمان فكانت وحدها الناجية من آثار الحادث، ويقول الرفاعي والد الطفل بأنها تحولت إلى قطع للغيار، حيث لجأ الأطباء إليها لاستخرج أعصاب ولحم منها لزراعته في بقية أنحاء جسده من خلال عمليات باءت جميعها بالفشل.

عثمان الآن بات بلا ذراع ولا كتف في الجانب الأيمن، أما يساره فباتت بلا فائدة بل ومعرضة للقطع، كما هو الحال أيضا لقدمه اليمنى، وهو ما سيحدده الأطباء خلال المراحل القادمة من العلاج.

من يتحمل المسؤولية؟

وتتصاعد الأزمة التي خيمت بسوادها على استقرار العائلة دون سابق إنذار، مع ارتفاع تكاليف العلاج التي بلغت في مرحلتها الأولى حوالي (500) ألف شيقل وفق ما ذكر المشفى للعائلة، ولا تدري العائلة حتى الآن من سيتكفل بالمصاريف التي لم يدفع منها حتى الآن شيقل واحد.

شركة الكهرباء تنصلت تماما من مسؤوليتها تجاه الطفل، ويرفض المدير الإداري للشركة المهندس علي طه الاتهامات الموجهة لشركته قائلا إن المسؤول عن الحادث هو المتعهد الذي نفذ مشروع التوسعة في المدرسة مؤخرا ولم يلتزم بضرورات السلامة العامة.

وتابع طه في حديثه أن التربية والتعليم هي من تتحمل المسؤولية، كون الحادث وقع بعد انتهاء الدوام، ما يعني ضرورة وجود حارس للمدرسة لمنع دخول الأطفال مساءً.

ويوضح محامي العائلة جواد عبيدات أن شركة الكهرباء طلبت تحويل الملف إلى شركة الوطنية للتأمين والتي رفضت بدورها تبني القضية كون "الكهرباء" غير مسؤولة عن الحادث.

لكن عبيدات أكد لشبكتنا أن الكتب الموجهة من المجلس القروي في كفر عين إلى شركة الكهرباء تؤكد أن الشركة هي المسؤول الوحيد عن الحادث.

ولفت عبيدات إلى أن مسؤولية شركة الكهرباء تتعدى التكفل بمصاريف العلاج الحالي، بل إن عليها التكفل بتعويضات مستقبلية للطفل الذي أصبح شبه عاجز تماما.

ماذا فعلت التربية والصحة؟

وزارة الصحة رفضت بدورها بادئ الأمر التكفل بالعلاج، ويقول ناصر الرفاعي عم الطفل إنه توجه للجنة خاصة لتبني العلاج، فرفضت الأمر متعللة بعدم تحويل الطفل من خلالها للمشافي (الإسرائيلية)، وطلبت منه إحضار تحويلة من مجمع رام الله الطبي لتسيير الأمور.

ويضيف الرفاعي أنه على الرغم من إدراكه استحالة الطلب غير أنه توجه للمشفى طالبا التحويلة، وبعد تنقله بين الطوارئ وقسمي العظام والأطفال رفض الأطباء الطلب تماما، ليعود إلى اللجنة الخاصة مرة أخرى فتقول له من الطبيعي أن يرفض الأطباء ذلك.

توجهت العائلة إلى إلى محافظ رام الله ليلى غنام من خلال نائبها حمدان البرغوثي، وبعد دراسة الحالة راسلت المحافظة الوزارة التي أبدت في نهاية الأمر استعدادها لتقديم جزء من العلاج لم يحدد ولكنه لا يتجاوز النصف، وفق ما تقول العائلة.

ويقول الرفاعي والد الطفل إن إدارة المشفى هددته مرات عديدة بإخراج الطفل من المشفى على مسؤولية عائلته بسبب عدم اتضاح التفاصيل المالية للعلاج، غير أن الأطباء أصروا على رفض ذلك متوقعين وفاته دون مقاومة حال خروجه.

ويضيف الرفاعي أنه عاش حالة من الهروب والتخفي عن أعين المسؤولين وإدارة المشفى طوال فترة الشهور الأربعة، وذلك خوفا من فتح الملف المالي في كل لقاء وتهديده بإخراج ابنه من المشفى في كل لحظة.

وزارة التربية التي يعمل والد عثمان فيها كانت بدورها شريكة بأحد أضلاع مربع الأزمة، فالرجل الذي كان الوحيد المسموح له بمرافقة طفله خلال فترة العلاج استنفذ إجازاته السنوية لعام (2012)، وقدمت له الوزيرة لميس العملي إجازة لعشرة أيام فقط بدأت بعدها الوزارة بخصم أيام تغيّبه عن العمل من مرتبه الشهري، فلم يقبض نصف مرتبه عن شهر كانون أول في العام المنصرم.

ويستنفذ مرة أخرى إجازاته السنوية لعام (2013) أثناء وجوده في المشفى خلال شهر كانون ثاني المنصرم، ولا يعلم حتى الآن كيف ستتعامل الوزارة مع تغيّبه عن العمل في المرحلة القادمة من العلاج.

ومع تراشق الاتهامات بين هذه المؤسسة وتلك يصبح ماتبقى من حياة عثمان التي فقدت الكثير من قيمتها مقيدة برؤية القانون وفرج الخالق.

ـــــــــــــــــــــــــ

المصدر: هنا القدس 

كاريكاتـــــير