غزة- القدس- خاص نوى- ميرفت أبو جامع
كانت الحياة بالنسبة لهن كتل اسمنيته وهواء بالكاد يفر من زحمة الأجساد الملقاة على شاطئ بحر غزة، يلامس أجسادهن المتعبة من الوقوف على بلاط المطبخ، ليصنعن ما يكفي لحشو أمعدة أزواجهن وأطفالهن من آكلات يحبونها وأخرى لا يرغبون بها، ولكن مكرّهين بسبب سوء الأوضاع الاقتصادية هناك.
يداعبهن الشوق لرؤية ما يسمعن عنه أو يرينه على شاشات التلفاز، ولا يفصل بينهن في وطن واحد، سوى ساعة ونصف من الزمن. يا الله ساعة ونصف! يتطلب منهن أن ينتظرن أعمارًا تصل إلى 50 سنة أو أكثر! هذا إن أفلحن في الخروج من غزة إلى هناك! .
في الصباح توقفت الحافلة على مدخل المدينة تنتظر خروجهن، لا احد يصدق!، كنا يودّعن أبناءهن، كمن يذهب للحج أو يسافر إلى مكان بعيد، أو ليس زيارة القدس حجة! لا تنسي الزعتر والملبن لا تنسي الدعاء"....".. الله يساهل عليكِ يمّا، (...) أي حاجة من ريحة القدس، ورقة شجر، حفنة تراب، يصعد الحافلة ثم ينزل، يا الله لو أني معكم!! يقول شاب في العشرينات من العمر، يصطحب طفلة صغيرة في يده بعد صلاة الفجر. فيم ينتظر بعض الشباب انطلاق الحافلة في الخارج. ويلوّحون بأيديهم وقبلاتهم للمسافرين والمسافرات.
تنادي موظفة الشؤون المدنية على الأسماء، للتأكد، كنا 50 رجلًا وامرأة، لا احد يتأخر! أوكيف يتأخر من ينتظر هذا اليوم طيلة حياته!
تنطلق الحافلة لم ننتبه للطريق كثيرًا.. لا شيء يثيرنا، أو يلفت الانتباه هنا...فطريق غزة صلاح الدين الرئيسة، حفظناها عن ظهر قلب، وهل هناك طريق غيره!.
تهمس في أذن زوجها، هكذا تكتمل حجتنا، بالصلاة في الأقصى، لا أريد أن أنسى من أوصوني بالدعاء، يقول: الحمد لله، ربنا يسهلها، يقول لنا إسماعيل صيام" أنا سعيد برفقة زوجتي، رافقتها بالحج قبل عامين، واليوم تكتمل حجتي بزيارة القدس والصلاة بالأقصى، منذ التسعينات لم أزره، مشتاق للقدس والصلاة في المسجد".
أم محي الدين منتقبة لا تعرف في حياتها إلا حي الأمل الذي تسكنه في خان يونس جنوب قطاع غزة، المرة الأولى التي تذهب خارج غزة في حياتها، بل خارج خان يونس، والى القدس لا تصدق!، تدمع عيناها، هذه حياة أخرى، بل لم يصدق أفراد عائلتها ال 11 حين ودّعوها، وحملوها بالدعاء. بكت عيناها" أولادي ودّعوني كأني رايحة للحج، أول مرة أطلع من بيتي والى القدس مش مصدقة!"
تقول:" حين وصلت رسالة على جوالي من الشؤون المدنية، ما صدقت!، كنا وقت قالوا سفر للقدس سجلنا مرات كثيرة، أنا وزوجي، وما يطلع إلنا، لما فقدنا الأمل ، بس اجت الرسالة تقول" بكرة استعدي للسفر" زوجي ما كان بدو إياني أطلع، خاف علي، لكن لقيت كمان سلفتي وزوجها وجارتي، اطمن وسمح الي اطلع، "طول الوقت يوصيني أوعى توهي أو يقلك عقلك ما ترجعي، ويعجبك الجو هناك". تضيف" قال يعجبني الجو! . أي والله ما إلي نفس أروح هي الساعات قليلة. سرت في شوارع القدس زي طفلة صغيرة أول مرة اطلع مكان بعيد لحالي".
تقول بألم كان نفسي اشتريلهم هدايا من ريحة القدس بس الوضع صعب وأنا ما معي، ثم تبتسم وتضغط بيدها على حقيبة يدها الرمادية، بس جبت الهم ملبن في الشنطة،
صفية العرابيد من شمال قطاع غزة، أثار الصدمة الجميلة على وجهها، اتصلت جارتي فيّ وأنا نايمة : " أنتِ نايمة يلا قومي روحي على القدس، خفت تكون بتمزح ما صدقت، انا باحلم؟ من أسبوعين سجلت اسمي للصلاة في الأقصى، وما حطيت أمل كبير، قلت يمكن يطلع ويمكن لأ!
تروي" لما اتاكدت لبست عبايتي، وحطيت شالتي عراسي، وطلعت زي المجنونة، كانت الحافلة سبقتني، أخدت سيارة طلب، وطلبت من السواق يسرع فيّ لألحقهم، والحمد لله وصلت في الموعد، مبسوطة كثير، من 16 سنة ما زرتها".
تصل الحافلة معبر بيت حانون، فتتوقف لتسليم البطاقات والتأكد من التصاريح، ثم تسير الحافلة حتى الجانب الإسرائيلي، أمام غرف التفتيش نتكدس، هو الطابور ذاته، كطابور لوكالة الغوث أو الشؤون، تنتظر التفتيش، كانت النساء يتزاحمن من اجل المرور حتى يتأكدن أنهن بتن خارج غزة، التي أتعبتهن حد إنهن في الثلاثينات ويبدون كالعجائز الكبيرة.
تلتمس لهن العذر، الشوق واللهفة! الصلاة، والمغفرة! إنها القدس! المسجد الأقصى! الصلاة فيه بخمسمائة صلاة! " من صلى في بيت المقدس، غفرت ذنوبه كلها"..
أمام غرف التفتيش دارت حوارات صغيرة، وبعض النكات، مثل" لا تتسرعن ما في كوبونات، لعنة غزة والمساعدات تلحقنا! لننسى قليلًا.. كل هذا التعب!
خرجنا من المعبر إلى هناك الوطن الآخر، الذي لا نعرف عنه شيئًا سوى ذاكرة متعبة لجدات تركنا كل شيء وعشن المأساة هنا، صعدنا إلى الحافلة فرحة وجوه الجميع، كانت عيون النساء والرجال تفترس الطريق، وهي تنظر تحار على أي طرف تنظر مرة ناحية اليمين ومرة ناحية الشمال بغرابة وتعجب وحسرة مرات كثيرة.
الأفق ممتد يعانق الأخضر المنبسط على الأرض وتتموج الأرض بين مرتفع ومنخفض، الجبل والأرض المنبسطة، والقرى التي غادرت مع الريح وبرحت في ذاكرة اللاجئين"الجورة،حمامة، بيت داراس، كوكبة، المسمية، هربيا، السوافير.." يقول لزوجته انظري هذه المجدل، فيما تطل يافطة مكتوب عليها "اشكول" باللغة العربية والعبرية، أنطق اشكول، فتقول هبه عكيلة مراسلة الجزيرة مستفزة من كلمتي التي نطقتها بعفوية:" المجدل وليس "أشكول" فأعتذر واصمت، ثم نطوى الطريق إلى عسقلان وهربيا و... يتوقف أحد الرجال عند مخيم العزة ويشرح بصوت عالٍ هذا بسالة أهله ، وهذة قرية وهذه واخذ يعدد ويشرح ..انظروا على اليسار الفالوجا" هذه دبابة جمال عبد الناصر باقية حتى اليوم..
الرجل الذي لا اعرف اسمه طيلة الطريق التي يحفظها عن ظهر قلب كان يعرف عنها، للأسف لم يستخدم السائق أو أحدًا من موظفي الشؤون المدنية أي مايك ليشرح لركاب الحافلة الطريق ويعرفها بالأماكن، فاكتفى البعض بالنظر بتعجب وحسرات، أو الاستماع لحديث الرجال وذكرياتهم في التعريف بهذه الأماكن" على الموظفين أو السائق الانتباه مستقبلًا لذلك".
هذه الأرض مفجرة الغضب والثورة والذكريات، كل واحد اخذ يتحدث عن ذكرياته هناك، في العمل في المستوطنات أو فيما حدثته عنه ذاكرة الأمهات، تصاب سيدة في الستينات من عمرها بالإعياء أو يبدو عليها ذلك، وهي المريضة بالقلب والضغط، قالت لنا ذلك" عند المرور في غرفة التفتيش، بعد شعورها بالدوار، فنسمح لها أن تتقدمنا" ثم في الباص ننصحها بأن تفطر لو أحبت، تحاول أن تبدو متماسكة، بخلاف ما رأيناه في وجهها، تقول:" لا والله، أنا باستنى اليوم هدا من عمري كله، أصلي بالأقصى في يوم مبارك من رمضان، وأفطر!، لا والله راح أكمل صيامي" السيدة عاشت عمرها في الجزائر وعادت قبل أعوام كي تستقر في غزة، وهي المرة الأولى التي تسافر إلى القدس، رغم أنها لفت عواصم بعيدة كثيرة.
كنا 10 باصات انطلقنا من كافة المحافظات، رفح وخان يونس، ودير البلح وغزة وو..." رجالا ونساء، و6 صحافيين( 3 ذكور، و3 إناث) تم السماح بمنحهم تصاريح من بين 20 تقدمت أسماؤهم لتصاريح، وجاءت الموافقة على ال 6 فقط، تقول السيدة التي جاورتها في العودة" والله كل جاراتي بحسدني على هالطلعة الكل نفسو يزور القدس، والله دعيت كل العالم يزورها ويتبارك فيها".
تذكرت الجندي الإسرائيلي قصير القامة، الذي كان ينظر إلينا في قاعة الخروج من الصالة الإسرائيلية، ويقول:" بركة بركة القدس" فتهجمت في وجهه، يا لص لقد سرقتم القدس".
حاولت أن التقط صورة بجوالي أثناء خروجي من الصالة الإسرائيلية للمعبر، وهي لافتة مكتوب عليها المغادرة إلى غزة، لم التفت لوجود المجند الاسرئيلي، اسود البشرة،والذي تقدم مني، أنت صورتي بالكاميرا، قلت له لا .قال هاتي الجوال رفضت وقلت هذه صور خاصة، قال لي شفتك صورتي قلت لا. وددت الاتصال برقم مني، والرؤية غير واضحة، تركني وهو غير مقتنع، هذا الغبي.
في المسجد الأقصى لا تجد مكانا للصلاة في أي مكان تصلي في محيطه تنتشر النساء والطفلات الصغيرات، والرجال، رغم حرارة الشمس الشديدة إلا أن جمال المكان وقدسيته والشوق تجعلك تقف على أرضية المكان الحارة لتصلي حافي القدمين، أو تلتقط صورة دون أن تشعر،
على الدرجات المقابلة للمسجد، شباب في مقتبل العمر يكتبون على أوراق بأسماء أصدقائهم، ثم يصورونها مع مسجد قبة الصخرة، اقتربت مني امرأة من غزة طلبت ورقة وقلم وقالت اكتبي أسماء أولادي وأصحابهم: وعددت منهم ستة " اكتبي الهم تحية من القدس".
تقول أم رائد تجلس في داخل المسجد الأقصى، وتسكن شعفاط، القريبة جدا من المسجد، "كل يوم بصلي الفجر هون وبضلني أصلي بروح وبرجع للتراويح، الصلاة فيه بخمسمائة صلاة، تضيف:" لما بشوف الناس بتيجيه من كل مكان بانبسط، انتو من غزة والله انبسطت كثير الله يفرجها عليكم والله بندعيلكم بكل صلاة، تقول امرأة ستينية بجوارها، رفضت ان تذكر اسمها، لانه في نظرها غير جميل، وامام الحاحنا قالت " نفوذ" سجلت الحوار معهم على هاتفي، أنا يا خالتي جيت من ألمانيا قطعت كل المسافة علشان اقضي رمضان وهالايام بالأقصى روحي متعلقة فيه، كل الحياة والتعب ترخص كرمال صلي وادعي هون في أجمل واطهر بقعة.
بعد أن أنهيت الحديث تسألني أم رائد يابنتي هدا التسجيل وين بيوصل؟ بدي أبعت سلامي لبنتي إلي بره وأولادي، قلت لها هذه ليس راديو وودعتها بابتسامة.
تريد أن ترى كل شيئا هناك، وتتجول في المكان وفي الأسواق وترى الأبواب والأعمدة والمصلى تريد أن تلتقي بكل النساء والرجال والشيوخ، النابلسية بائعة العكوب والنعناع والمريمة وبائع الملبن والأثواب والقطع الجلدية والخبز بالسمسم والزعتر، إلا أن الوقت مثل سيف يقول لك امضِ بقي القليل، تستفزك كلمات العبرية والأشكال غير العربية، إلا أننا نمضي بحرية، وكأننا لم نرهم. أو هكذا نتمنى !
تقول سيدة : حرام عليكوا الوقت راح بالطريق، ما لحقنا نشوف شيء، لو أن الساعات أطول، تقترب الحافلة من حدود غزة، ترد أخرى: ما شبعنا من القدس، ولا من الصلاة ولا الدعاء! يقول رجل:" والله قضيت كل الوقت في الصلاة، في كل مكان صليت، ما خليت مكان، إلا دعيت فيه.
اخذ بيدها من الحافلة وبجواره عدد من الشباب يستقبلون أمهاتهم وآبائهم حمد الله عسلامتك يّما " ما أجملها من كلمةّ! ".. في لافتة صغيرة أثناء عودتنا من القدس إلى معبر بيت حانون قرأتها بصوت مسموع إلى جوار سيدة "الخروج إلى غزة" قالت " ضاحكة الخروج إلى الجحيم هو بعد إلي شفته في بلادنا، إلي نفس شوف غزة، يارب نرجع المرة الجاية وتكون القدس وكل المناطق المحتلة محررة، نزورها بعائلاتنا وأحبتنا بدون تصاريح ولا انتظار طويل.
نعود وفي ذاكرتنا صور جميلة، ووجوه التقيناها صدفة، وكعك وخبز القدس بالسمسم، وهدايا مسابح وميداليات، والعاب أطفال، وتين وعنب، وزعتر وملبن ودعوات صادقة.
























