بين يدي العشر الأواخر من شهر رمضان المعظم، ينكب الناس في العالمين العربي والإسلامي على أمرين لا ثالث لهما، الاشتغال بالعبادة ليلاً والإنشغال بالعيد ومستلزماته نهاراً، وتغرق الأسواق بالبضائع والبشر، وتنجرف بحور المستهلكين نحو التجار ليحدثوا دورة اقتصادية متكاملة، في أجواء تسودها البهجة والحبور والاستعداد ليوم الجائزة، فكيف حال فلسطين والفلسطينيين؟!!
الناس في فلسطين ينشغلون هذه الأيام بأمرين لا ثالث لهما، أولهما حديث الهم اليومي المرتبط بتأمين الطعام والشراب لأبنائهم في ظل ظروف فقر مدقع وحصار خانق وانهيار في الخدمات وتهاوي في قيمة الأسهم ودمار بكل معنى الكلمة في المسار الاقتصادي، والثاني هو الاستعداد ليوم الانفصال بعد أن أرهقهم الساسة طويلاً بأحاديث المصالحة لتي تلي سنوات الانقسام، ليتبين لهم في نهاية المطاف أن القوم قد عقدوا عزمهم على الانفصال التام، فطرف يدفع الطرف الآخر دفعاً نحو البحث عن خيار آخر بعدما أوصد كل الأبواب نحو مصالحة جادة وحقيقية، وطرف آخر وضع العصي في دواليب المصالحة منذ اليوم الأول واستعد في كل لحظة للانقضاض على المصالحة وإزهاق روحها حتى قبل أن يجف الحبر الذي كُتب به اتفاق الشاطئ.
في الواقع أنه لا يتخيل أحد أن يشعر شخص بألم شخص آخر إن لم يكن قد ذاق طعم ذات المعاناة من قبل أو يعيشها معه حالياً، وكل حديث عن استشعار هموم المواطن من طرف الساسة لا يقدم ولا يؤخر، فمن يعمل المولد الكهربائي الحديث الذي يعوم على بحر من السولار المدفوع الثمن مسبقاً لا يمكن له أن يشعر بمعاناة أطفال احترقوا بالشمع في أحد بيوت المخيم نتيجة انقطاع التيار الكهربائي، ومن يغسل بدنه كل يوم بالمياه الصحية المفلترة لا يمكن له أن يستشعر ملوحة ماء البحر في بعض مياه الشرب في غزة، ومن يتقاضى راتبه بالدولار والإسترليني واليورو لا يمكن له أن يتجرع مرارة شراء صحن الفول "على الدفتر"، ومن عرف دلالات التسوق في شوارع باريس ولندن لا يمكن له أن يفهم سلوك المتجمهرين أمام بائع "البالة.
أعطانا الخليفة الراشد عمر بن الخطاب رضي الله عنه درساً في المسؤولية في عام الرمادة، عندما بدا وجهه شاحباً وجسده يئن تحت وطأة التقشف بكل المعاني، وقبله منحنا الرسول الأعظم درساً فيه أكثر من عبرة يوم أن وجده الجائعون يربط على بطنه الشريفة حجرين لا حجراً واحداً في غزة الأحزاب، وبالتالي لا أمل في أن نستقوي على حالنا بسياسي كان وزنه قبل الحصار 60 كيلو جراماً وأصبح بعد سنوات من الحصار يعاني من السمنة المفرطة، ولا نفهم أن تاجراً كان يملك 100 ألف قبل الحصار وأصبح يملك مليوناً بعد الحصار، وبالصدفة يتبين أن له دلالاً على احد الساسة!!
شعبنا يا ساسة بلادي ليس بخير، ليس بخير على الإطلاق، والجياع في وطني والمكلومون والموجوعون يبتهلون صباح مساء إلى المولى تبارك وتعالى أن يريحهم من رؤية وجوه الساسة، وأن يريهم فيهم يوماً كأيام باقي الطغاة في الأرض، وأن يمنّ عليهم بقائد يحمل الهم ويتحمل المسؤولية بصدق، وأن ينهض أحدهم من الرماد ويقول للظلم كفى، ويستنهض كل طاقة شريفة وغيورة كي يعيد للوطن معناه وللمواطن كرامته، نريد ساسة يتوقفوا فوراً عن النميمية والغيبة والأحاديث الجانبية والحقد يملأ قلوبهم على بعضهم، ونريد شعباً ينشغل بمؤسساته وتطويرها ولا يتوقف عند نجاح فلان ليفشله أو تجربة علان كي ينتقدها مع سيل من الاتهامات، نريد ساسة يتحدثون إلى بعضهم ولا يتحدثون عن بعضهم، ونريد وطناً خالياً من العيوب نقياً صالحاً للعيش اليوم ومستقبلاً، نريد مواطن يتردد في قبول "كوبونة" الفصيل، لا مواطن يطحن أخيه المواطن كي "يظفر" بوجبة أرز تحمل معها نصف دجاجة تكالب على ثمنها كومة من السماسرة، نريد أن يحدث كل هذا ولكن وقبل أن يحدث من هذا شيء نطالب وبقوة أن يريحنا الله من كل سياسي أجهز علينا بشعاراته وعطل أحلامنا بقراراته وسفّه مستقبلنا بأدواته.
























