شبكة نوى، فلسطينيات
اليوم السبت 18 ابريل 2026م11:16 بتوقيت القدس

الجغرافي المقدسي ونص الهوية الفلسطينية

10 يوليو 2015 - 09:37
شبكة نوى، فلسطينيات:

بقلم – زكريا محمد :

يعاني الباحثون في تاريخ الهوية الفلسطينية من نقص بين في النصوص. فهم بالكاد يعثرون على نص واضح يتحدث عن هوية فلسطينية قبل نهاية القرن التاسع عشر، أو حتى قبل بداية القرن العشرين. يسهم هذا النقص في تقبل الفكرة الصهيونية الشائعة التي تقول أن الهوية الفلسطينية كانت، بالأساس، رد فعل على الحركة الصهيونية. وهذا ما يعني أنها وليدة هذه الحركة، وإن كانت وليدا مضادا لها. عليه يقال عادة أن الهوية الفلسطينية حديثة التكوين، وأنها تنتمي إلى أوائل القرن العشرين. وحين تجري محاولات لإعطاء هذه الهوية بعدا زمنيا أعمق (كيمرلنغ مثلا) يشار إلى الانتفاضة على حكم إبراهيم باشا في العام 1934 باعتبارها بدايات تكون وعي وطني فلسطيني عام. فقد شملت هذه الانتفاضة كل فلسطين تقريبا، رغم نوازعها الطائفية الناتجة عن سياسة إبراهيم باشا. أما رشيد الخالدي فقد حاول أن يصل إلى أبعد مدى ممكن لكي يجد جذور هذه الهوية الأولى في انتفاضة القدس عام 1701. وكنت قد أشرت في كتابي (قضايا الثقافة الفلسطينية، منشورات مؤسسة مواطن، رام الله) إلى أن تاريخ الهوية الفلسطينية هو أكثر جوانب الحياة الثقافية الفلسطينية تلوثا بالنص الصهيوني. فنحن بالإجمال نردد ما يقول هذا النص حول هويتنا وتاريخها. ولعل هذا هو سر فشلنا في العثور على نصوص تؤدي إلى إضاءة أفضل لتاريخ الهوية الفلسطينية. ذلك أنه إذا كانت الهوية الفلسطينية حديثة جدا، فمن العبث البحث عن ما يؤيد وجودها في ما في المصادر الكلاسيكية العربية.

لكنني أعتقد أن هذه النظرة للهوية الفلسطينية خاطئة تماما. فلدينا تأكيد يرقى إلى القرن الخامس قبل الميلاد، على الأقل، حول وجود كيان يدعى فلسطين. فقد حدد هيرودوتس هذا الإقليم بحدوده المعروفة حاليا تقريبا وأسماه فلسطين. يقول في سياق حديثه عن الغزو الفارسي لبلاد اليونان:

(وقد جهز الفينيقيون وسوريو فلسطين ثلاثمائة سفينة...)، ويضيف (وهذه الأمة تبعا لما تقوله عن نفسها سكنت قديما على البحر الأحمر، حيث ما زالوا يقيمون. وهذا القسم من سوريا، وكل المناطق الممتدة من هنا إلى حدود مصر معروفة باسم فلسطين).- تاريخ هيرودوت، منشورات المجمع الثقافي في البحرين، دبي، 2001، ص 522-.

ويقول في فقرة أخرى: ويسكن البلاد الممتدة من أرض الفينيقيين حتى حدود مدينة غزة السوريون الذين يسمون الفلسطينيين.

إذن، فالمنطقة من حدود فينيقيا إلى حدود مصر هي إقليم واحد يدعى: فلسطين. وهيرودوتس يدعو سكانها باسم فلسطينيين، أو سوريي فلسطين تمييزا لهم عن باقي سكان سوريا. وهؤلاء السكان، كما نعلم، هم الفلست أو الفلسط، أي الفلسطينيين القدماء، الذين أعطوا هذا البلد اسمه وسمته الإثنية المميزة داخل إطار سوريا الكبرى. وقد ظل هؤلاء القوة الأهم في فلسطين من القرن الثاني عشر قبل الميلاد حتى حدود نهاية القرن الخامس قبل الميلاد، حيث تخلخل استقلالهم بعد الضربات الآشورية والبابلية والفارسية المتتالية. عليه ففلسطين الرومانية لم تكن اختراعا من روما، بل كانت أخذا لوضع قائم بدأ يتبلور منذ القرن الثاني عشر قبل الميلاد على الأقل. وإقليم متبلور بهذا القدر لا يكمن أن له إلا أن يؤثر على صناعة هوية ساكنيه.

أما بخصوص فكرة (الأرض المقدسة) ومدى تأثيرها على تثبيت الإقليم الفلسطيني فمسألة بحاجة إلى البحث. إذ يبدو لدى بعضهم أحيانا أن فلسطين هي وليدة فكرة الأرض المقدسة. لكنني لا أتفق مع هذا الرأي. ويهيأ لي أن هذه الفكرة دعمت فكرة الإقليم في مراحل، ثم أعمتها في مراحل أخرى، تبعا للمدى الذي كانت تبلغه حدود الأرض المقدسة. لقد أسهمت هذه الفكرة، بالتأكيد، في تثبيت القدس كمركز مستقر لا ينازع لهذا الإقليم، وبالتالي وضعت لهذا الإقليم محوره، لكنها لم تكن دائما عاملا مساعدا في تثبيت حدود الإقليم. فالأرض المقدسة كانت تشمل في بعض الأحيان غالب شرق الأردن، وأجزاء من سوريا ولبنان وغيرها. والموضوع برمته بحاجة إلى النقاش.

أما في ما يخص المصادر العربية القديمة، فنحن نعلم أن العشرات من الشخصيات الثقافية والسياسية في الفترة العربية-الإسلامية نسبت إلى هذا الإقليم، حيث وصف الواحد منهم بالفلسطيني، الأمر الذي يعني أن الإقليم كثيرا ما كان يؤخذ كوحدة واحدة. وهذا يعني أن الهوية الفلسطينية الحديثة قد قامت على أساس من هوية تقليدية موغلة في القدم، كما هو الحال في مصر أو العراق مثلا. ففي هذين البلدين تم تحديث هوية قديمة ذات جذور تاريخية، لا صناعة هوية حديثة من لا شيء. وهذا ما نعتقد أنه حصل في فلسطين. إذ لم يتم الانتقال من هويات محلية لا رابط لها إلى هوية واحدة عامة فلسطينية تحت ضغط الحركة الصهيونية، هكذا ومن دون مقدمات.

ولدينا نص واحد على الأقل يثبت أن كانت هوية فلسطينية محددة كانت موجودة منذ ألف سنة على الأقل. وكان الشاعر والباحث العراقي شاكر لعيبي أول من وضع خطا توكيديا عريضا تحت هذا النص. النص كتبه واحد من أعظم مثقفي فلسطين على مر العصور، وواحد من نخبة الثقافة العربية في عصرها الكلاسيكي، ألا وهو الجغرافي المقدسي في كتابه (أحسن التقاسيم في معرفة الأقاليم). وهو نتاج رحلات جغرافية قام بها المقدسي في نهاية القرن العاشر الميلادي، وشملت مناطق عربية وإسلامية. ينقل المقدسي في نصه، أثناء وجوده في بلاد فارس، حوارا ممتعا دار بينه وبين بنائين شيرازيين:

(وجلست يوما إلى بعض البنائين، أعني بشيراز، وأصحابه ينقشون بمعاول وحشة smile emoticon سيئة)، وإذا حجارتهم على ثخانة اللبن، فإذا اعتدلت قدروها ثم خطوا خطا وقطعوه بالمعول (=الشاكوش) فربما انكسرت البلاطة، فإذا اعتدلت أقاموها على حدها smile emoticon وضعوها في البناء على طرفها). فقلت لهم:

لو اتخذتم مسفنة {= إسفينا، إزميلا}، وربّعتم الأحجار.

وأحكيت لهم مسائل في البناء.

فقال لي الأستاذ:

- أنت مصري؟

قلت:

- لا، أنا فلسطيني.

قال:

- سمعت أن عندكم تخرّم الأحجار كما يخرّم الخشب.

قلت:

- أجل.

قال:

أحجاركم لينة ولصناعتكم لطافة).-رحلة المقدسي، أحسن التقاسيم في معرفة الأقاليم، دار السويدي للنشر والتوزيع-أبو ظبي والمؤسسة العربية للدراسات والنشر، بيروت، ط1، 2003، ص362-.

هذا النص المفاجئ، والخاص جدا، يدحض فكرة حداثة الهوية الفلسطينية. فها هنا نجد مثقفا مقدسيا من الطراز الأول يعلن، ومن دون لعثمة، أنه: فلسطيني! هذا من العلم أن هذا المثقف لم يعان من نقص الهويات أبدا. فهو ذاته يعلن في كتابه ما يلي:

(ولقد سميت بستة وثلاثين اسما، دعيت وخوطبت بها: مقدسي وفلسطيني ومصري ومغربي وخراساني وسلمي ومقرئ وفقيه وصوفي وولي وعابد وزاهد وسياح ووراق ومجلد وتاجر ومذكَر وإمام ومؤذن وخطيب وغريب وعراقي وبغدادي وشامي وحنيفي ومتؤدب وكرَي ومتفقه ومتعلم وفرائضي وأستاذ وداشموند وشيخ ونشاسته وراكب رسول، وذلك لاختلاف البلدان التي حللتها، وكثرة المواضع التي دخلتها). –المصدر السابق، ص68-.

وهكذا فقد كان يحوي في ذاته كل الهويات التي كان من الممكن أن يدمغ بها المرء في عهده في فلسطين؛ فهو مقدسي، فلسطين، شامي، حنفي، وراق...إلخ. وقد كان بإمكانه أن يختار أي واحدة من هذه الهويات لكي يعرَف نفسه أمام بنائي شيراز. لكنه اختار من بينها جميعا هويته العامة الأصل: فلسطيني! إنه فلسطيني قبل كل شيء. وعلينا أن نلحظ أن نص المقدسي نص احتكاك بامتياز، أي أنه نص يوجب توضيح الهوية في مقابل هويات الآخرين. فهو فلسطيني في مقابل: مصري أو شيرازي- فارسي. فماذا يقول لنا هذا النص؟ إن يعلن:

أولا: أن ثمة في وعي المقدسي إقليما محددا ومتميزا يمكن مناظرته بمصر يدعى فلسطين.

ثانيا: أن المقدسي ينسب نفسه إلى هذا الأقليم جملة وطواعية، داعيا نفسه بالنسبة إليه: فلسطيني، رغم وجود هويات أخرى يمكنه أن ينتسب لها.

ثالثا: ومن الصعب الاعتقاد أن هذا الانتساب إلى هذا الإقليم كان مسألة تخص المثقف الفرد المقدسي وحده، أي أنها هوية اخترعها بذاته ولذاته. عليه، يحق لنا الافتراض أن النخبة المثقفة في هذا البلد وقتها، أو قسما لا بأس به منها، كانت ترى نفسها كنخبة فلسطينية، أي كنخبة منتمية إلى إقليم محدد، إلا إذا افترضنا أن المقدسي كان طلعا غريبا في هذا البلد- الإقليم.

رابعا: أنه إذا ما صح هذا فمن المستحيل أن تكون هذه النخبة قد لبست هذه الهوية هكذا في عزلة تامة عن الناس العاديين، ناس الشارع، في فلسطين. أي أن لنا أن نفترض أن الناس كانت، على الأرض، وفي حدود ما، ترى نفسها كمجموعة تنتمي إلى إقليم معين يدعى فلسطين، رغم تعدد الولاءات والهويات المنافسة.

خامسا: أن من استمعوا إلى المقدسي لم يستغربوا هويته المدعاة ولم يتساءلوا عنها، بل أكدوها، وهذا يعني أنهم يتعاملون معها كهوية مقبولة مرتبطة بإقليم محدد.

عليه، وباختصار، فهذا النص يشير إلى وجود هوية خاصة فلسطينية، في حدود ما. صحيح أن هذه الهوية قد تكون مختلطة بهويات أخرى أوسع أو أضيق: شامية، إسلامية، مقدسية، أو غيرها، لكنها قادرة على الإعلان عن ذاتها بوضوح، بل وقادرة على أن تضع نفسها فوق جميع الهويات الأخرى في لحظة محددة.

أكثر من هذا، فالمقدسي يبدو فخورا بهويته عارفا ببعض نقاط قوتها التي فاخر بها الشيرازيين، أقصد حرفة الحجر والبناء. ونحن نعلم أن جد المقدسي كان مهندس بناء عظيما. والمقدسي ذاته يخبرنا بأمر جده في سياق حديثه عن عكا:

(ولم تكن على هذه الحصانة حتى زارها ابن طيلون {= ابن طولون}. وقد كان رأى صور ومنعتها واستدارة الحائط على مينائها، فأحب أن يتخذ لعكا مثل ذلك الميناء، فجمع صناع الكورة، وعرض عليهم ذلك، فقيل: لا يهتدي أحد إلى البناء في الماء في هذا الزمان. ثم ذكر له جدنا أبو بكر البناء. وقيل: إن كان عند أحد علم هذا فعنده. فكتب إلى صاحب بيت المقدس حتى أنهضه إليه. فلما صار إليه وذكر له ذلك، قال: هذا أمر هين، عليَ بفلق الجميز الغليظة. فصفها على وجه الماء بقدر الحصن ثم بنى عليها بالحجارة والشيد. وجعل كلما بنى خمس دوامس ربطا بأعمدة غلاظ ليشتد البناء. وجعلت الفلق كلما ثقلت نزلت حتى إذا علم أنها قد جلست على الرمل تركها حولا كاملا حتى أخذت قرارها، ثم عاد فبنى من حيث ترك. فلما بلغ البناء إلى الحائط القديم داخله فيه وخيطه به. ثم جعل على الباب قنطرة، فالمراكب في كل ليلة تدخل المينا وتجر السلسلة مثل صور. قال: فدفع إليه ألف دينار سوى الخلع وغيرها، واسمه عليه مكتوب)- المصدر السابق، ص 165.

إذن، فاسم جد المقدسي، أي توقيعه، كان منقوشا على سور عكا، هذا السور الذي مكن أحمد باشا الجزار، الذي جدده في ما بعد، من الصمود أمام نابليون. وقد كان المقدسي واعيا بهذا التاريخ، وواعيا بحرفة جده حين ناقش بنائي شيراز. واغتباطه بهويته يظهر في هذا النص من كتابه أيضا:

(وكنت يوما في مجلس القاضي المختار أبي يحيى ابن بهرام بالبصرة فجرى ذكر مصر إلى أن سئلت: أي بلد أجل؟

قلت: بلدنا.

قيل: فأيها أطيب؟

قلت: بلدنا.

قيل: فأيها أفضل؟

قلت: بلدنا.

قيل: فأيها أحسن؟

قلت: بلدنا.

قيل: فأيها أكثر خيرات؟

قلت: بلدنا.

قيل: فأيها أكبر؟

قلت: بلدنا.

فتعجب أهل المجلس من ذلك. وقيل: أنت رجل محصل، وقد ادعيت ما لا يقبل منك، وما مثلك إلا كصاحب الناقة مع الحجاج.

قلت: أما قولي...".- المصدر ذاته، ص 167-

وهكذا شرح لهم لماذا تكون مدينته بهذه الأهمية، مثبتا لهم أن (ناقته- قدس فلسطين) الخاصة لها الأهمية التي يدعيها.

وعلينا أن نشير هنا إلى أن لغة المقدسي في كتابه تحمل دلائل على وضع اللهجة الفلسطينية في وقته، أي قبل ألف سنة من الآن. فهو يعمد إلى استخدام كلمات من هذه اللهجة في كتابة، كما رأينا في المقتبسات السابقة (أحكيت، بلاطة، مسفنة، ثخانة، فلق، وحش). ومن خلال هذه الكلمات التي ما تزال مستخدمة حتى الآن نستطيع أن نقول أن هذه اللهجة هي ذاتها منذ ألف عام، من حيث الجوهر.

في كل حال، نحن نعتقد أنه لا يمكن تجاهل نص المقدسي عند الحديث عن تاريخ الهوية الفلسطينية. إنه نص تأسيسي حقا. وعلى كل من يقول بحداثة تكوين الهوية الفلسطينية أن يواجه هذا النص. صحيح أنه نص منفرد حتى الآن، لكنه نص واضح تماما، يعكس حقائق على الأرض. وليس من قلة الحذر أو المبالغة الافتراض أن نص المقدسي كان يعكس عقيدة مثقفي القدس وفلسطين في عصره، أو جزءا منهم على الأقل.

لكن علينا أن نضيف أن نص المقدسي قد لا يكون هو النص الوحيد حول الهوية الفلسطينية في المصادر الكلاسيكية العربية. ذلك أننا، كما قلت، لم نقم بمسح شامل لهذه المصادر حتى نكتشف النصوص التي تتعلق بالهوية الفلسطينية التقليدية. ولعل القيام بهذا المسح أن يعطينا نصوصا غريبة ومفاجئة. ولدينا نص صغير من الطبري في تاريخه يجعلنا نعتقد في ذلك. ففي سنة مائة ست وتسعين للهجرة، أثناء الحروب الداخلية في فترة الصراع بين الأمين والمأمون، حصلت خلافات داخل صفوف قوات عبد الملك بن صالح، المتواجدة في الجزيرة الفراتية، والمكونة من أهل الشام وأهل خراسان، أدت إلى اشتباك واسع أصيب فيه أهل الشام، مما أدى إلى غضب عارم بينهم. فقام واحد حمصي وقال:

(يا أهل حمص، الهرب أهون من العطب، والموت أهون من الذل؛ إنكم بعدتم عن بلادكم، وخرجتم من أقاليمكم، ترجون الكثرة بعد القلة والعزة بعد الذلة، ألا وفي الشر وقعتم... النفير النفير، قبل أن ينقطع السبيل، وينزل الأمر الجليل، ويفوت المطلب، ويعسر المذهب، ويبعد العمل، ويقترب الأجل).

لكن رجلا كلبيا، ومن المؤكد أنه فلسطيني كما يدل كلامه، وحيث كانت زعامة كلب في فلسطين، قام فقال:

(يا معشر كلب؛ إنها الراية السوداء، والله ما ولت ولا عدلت ولا ذل ناصرها، ولا ضعف وليها، وإنكم لتعرفون مواقع سيوف أهل خراسان في رقابكم، وآثار أسنتهم في صدوركم. اعتزلوا الشر قبل أن يعظم، وتخطوه قبل أن يضرم. شامكم شامكم، داركم داركم! الموت الفلسطيني خير من العيش الجزري {يقصد الجزيرة الفراتية}. ألا وإني راجع، فمن أراد الانصراف فلينصرف معي. ثم سار وسار معه عامة أهل الشام)- تاريخ الطبري، المجلد العاشر، ص 173- دار الفكر للطباعة، ط1، 1998.

ليس من السهل هنا مطلقا تجاهل جملة (الموت الفلسطيني خير من العيش الجزري). فهي تعكس إحساسا بإقليم وبهوية مرتبطة بهذا الإقليم. ومن خلال النص، يمكن الاستشفاف إن الكيان المميز الوحيد كإقليم في بلاد الشام إنما هو فلسطين. فالحمصي، مثلا، قام ونادى باسم حمص. أما الكلبي فقد قام ونادى باسم فلسطين. بل إن النص يوحي أن اسم فلسطين كان عديلا للشام في بعض اللحظات، بسبب شدة تبلوره كإقليم.

ومن المؤكد أن الهوية التي نتحدث عنها، والتي تفصح عنها النصوص المقدمة، كانت مخلوطة بهويات أخرى ومتداخلة معها: إسلامية، عربية، شامية، قبلية وغيرها. لكن من الواضح أيضا أن هذه الهوية كانت موجودة وتتفوق على غيرها في لحظات الاحتكاك والمواجهة، كما رأينا في مطارحة المقدسي للشيرازيين، وفي خطبة الفلسطيني الكلبي.

هذه الهوية كانت في جذر الهوية الفلسطينية الحديثة كما نعتقد. فالهوية التي أخذت تنبثق في منتصف القرن التاسع عشر أو قبله، هي مجرد تحديث وتعميق للهوية الكلاسيكية القديمة.

وهذا ما نطرحه للنقاش.

كاريكاتـــــير