شبكة نوى، فلسطينيات
اليوم الجمعة 18 سبتمبر 2026م02:26 بتوقيت القدس

غزّة بلا حرب.. رمضان الأحلى الذي نتمناه

08 يوليو 2015 - 01:54
شبكة نوى، فلسطينيات:

غزة - المقداد جميل :

"رمضان هاي السنة غير". إذا سألت عن العبارة الأكثر رواجاً بين الفلسطينيين في قطاع غزّة خلال شهر رمضان، فستكون هذه العبارة في المقدمة. يتّفق الجميع في كلّ عام على أن رمضان "مُختلف". لكن كيف يكون هذا الاختلاف، لا أحد يعلم، فكلٌ يراه من زاويته الخاصّة.

زيارة الأسواق الأشهر في غزّة، مثل سوق "الزاوية"، تعتبر من الطقوس الرمضانية لأغلب الأهالي. الجولة ما بين أزقّة السوق القديمة والضيّقة ممتعة، برغم كلّ ما تحمله من تعب. رائحة الزعتر الفلسطيني المكوّم كجبل من الرمل على إحدى الطاولات أمام المارّة، أو حديث بائع زيت الزيتون، الذي يروّج له بالقول "زيت ضفّاوي"، للدلالة على جودة المنتج القادم من الشق الآخر للوطن.

عدا الزينة التي لا يخلو منها أيّ دكان في السوق القديم، تتوزّع فوانيس رمضان على أبواب المحال، وتنعكس بهجتها في وجوه الأطفال. حتى الزحام في هذه الأماكن جميل، يُشعرك بالفرح الذي تفتقده المدينة خارج نطاق هذه الأزقّة.

لا يخلو رمضان هذا العام من هذه الأجواء، لكنّها شكليّة لا أكثر، دون أيّ وجود للبهجة التي كانت تنشرها في قلوب الناس في ما مضى. هذا الأمر خلّفته الحرب التي بدأت بغتةً في رمضان من العام الماضي.

في العادة، يقول الناس "ما في أجواء لرمضان هالسّنة"، أو "ولا كأنه جاي رمضان"، فيما يردّد العجائز المتجمّعون على جوانب الطرق في سهرات الليلة الأولى عباراتٍ مثل "رمضان زمان أحلى..". هذا ما يردّده الناس عادةً، لكن لا أحد منهم كان يدري أنّ رمضان هذا الذي يتذمرون منه ويعتبرونه سيئاً سيغدو مجرّد ذكرى أخرى يتمنى الناس عودتها، وسيصبح هو "السابق" الذي يريدونه.

الحرب التي بدأت في العاشر من رمضان العام الماضي، أفقدت الناس بهجة الشهر، وجعلت الصواريخ موعداً يومياً للمواطنين عند السحور والإفطار. سلبتهم الصواريخ رمضان، وجعلتهم غير آبهين بوقت الصيام الطويل، ولا بموعد أذان المغرب. كلّ هذا جعل رمضان ذكرى بالنسبة لهم، فأصبحوا يعتبرون رمضان السابق الذي كانوا يرفضونه جميلاً. أيّ رمضان هذا الذي كنا نعتبره فاقداً لأجوائه الاعتيادية، والآن نعيش رمضان غير اعتيادي، يصوم الناس فيه في منازلهم، ولا يفطرون إلا وقد أصبحت البيوت ذكرى من الماضي.

لم يفقد السوق شيئًا من شكله السابق، فقوارير الزيت كما هي، أكوام الزعتر ما زالت في مكانها، حتى الفوانيس المضيئة ما تزال تُبهج المارّة بألوانها، مثلها مثل الأغاني المرحبة بهذا الشهر، ومثل الأزقة المليئة بالزحام الذي لا ينتهي، لكنّها فقدت أموراً أهمّ وأشياءً أكبر. زاوية ما في صلاة التراويح فقدت أشخاصاً أخذتهم الحرب، وكرسيٌ على طاولة الإفطار أصبح خالياً، صار صاحبه ذكرى.

يردّ البائع على أحد المارّة الذي يسألُ في السوق عن محلٍ معيّن بالقول: "مكان المجزرة". ساعدت الحرب في إعطاء الأماكن أسماءها، وأصبحت وسيلةً سهلة للدلالة على الأشياء، فمجزرة حدثت في سوق الشجاعية خلال شهر رمضان، سيذكرها الناس على مدار سنوات. سيصبح مكانها علماً في هذا السوق، يرتبط تلقائياً مع موسم رمضان والحرب.

يعود رمضان مرّة أخرى، ويتأكد الناس أن عليهم أن يعيشوا رمضان بكلّ ما فيه، دون أي تذمر، فرمضان نعيشه بلا حرب، أفضل من رمضان مع حرب. يذكّرهم هذا التذمر برمضان سابقٍ قد عاشوه، "رمضان قبل كان فيه حرب! ما حسّينا بطعمه، راح بسرعة". لكنّهم يقفون مرّة أخرى أمام حاجز آخر من الذكريات والأوجاع، التي تجعلهم يعجزون عن عيش رمضان بالطريقة التي يتمنونها. صحيح أنّه كان في أيام رمضان الماضي حرب، لكنّه كان مختلفاً عن الآن. لا يعتقد هؤلاء أنّ هذا الشهر سيعود كما في السابق. بعضهم فقد منزله، والبعض الآخر فقد ابنه، وآخرون فقدوا أشياءً عزيزة أخذت معها ذكرى رمضان، رائحته، بهجته، وأجواءه التي تجعله يتمنى الآن، حقًا أن يعود رمضان كما كان في السابق، ليقول مرّة أخرى "رمضان زمان أحلى".

عن "السفير" اللبنانية

كاريكاتـــــير