بقلم - فهمي هويدي :
بوسعنا الآن أن نقول إن الإرهاب صار له عنوان في مصر، وقدم حقيقية وضعها في المكان الغلط.
(1)
أتحدث عما جرى في سيناء يوم أول تموز الحالي، حين شكل أنصار جماعة «داعش» جيشا صغيرا ضم مئات عدة من المتطرفين، وزودوهم بأسلحة ثقيلة ومدافع مضادة للطائرات، ثم دفعوهم إلى مهاجمة نحو 15 كمينا ونقطة ارتكاز لتمكينهم من الاستيلاء على مدينة الشيخ زويد وإعلانها «إمارة إسلامية» في شمال سيناء. وبرغم ان المحاولة انتهت بفشل ذريع، فإنها كانت بمثابة إعلان عن وجود قاعدة للجماعة في سيناء، لها حاضنتها الاجتماعية ولها حجمها المعتبر وتسليمها المثير للانتباه، ولها طموحاتها التي لم تعد خافية على أحد.
لا يختلف خبراء الشأن السيناوي حول ان التيار التكفيري له حضور تقليدي منذ سنوات عدة في محيط شباب القبائل ضمن تيارات أخرى متعددة، سلفية وغير سلفية، إلا أن محاولة الاستيلاء على مدينة الشيخ زويد كانت أول إعلان صريح بعد التحاق المجموعة بتنظيم دولة «داعش»، عن انتقالها من التبشير بالفكرة إلى محاولة إقامة كيان أو إمارة على أرض سيناء ترفع راية الجماعة.
غير ان الصورة تظل منقوصة إذا لم نشر إلى ما جرى في دمياط في 12 تشرين الثاني عام 2014، حين استولى أحد ضباط البحرية بمعونة خمسة من عناصر التنظيم على قارب بحري وخرجوا به إلى المياه الإقليمية وأعلنوا أنه أصبح تابعا لدولة الخلافة الإسلامية، في ما أسمته مواقع الجماعة «غزوة بحرية». وهي المغامرة التي انتهت بتدمير القارب والقضاء على مختطفيه، بعدما لاحقته وقصفته طائرتان من طراز اف 16.
عملية دمياط كانت أول إشارة إلى مستوى طموح عناصر «داعش» وتطلعاتهم في مصر، وقد كشفت المعلومات التي نشرت في وقت لاحق عن ان التنظيم استقطب بعض الضباط المفصولين من الخدمة. وهو ما تناقلته بعض المواقع الوثيقة الصلة بالأجهزة الأمنية المصرية يوم 6 شباط من العام الحالي.
(2)
ثمة ثغرات غامضة في سجل وخلفيات تنظيم «داعش» أشرت إلى بعضها في كتابات سابقة. بعضها يتعلق بتفسير تحولات عناوينها، بدءاً من «جماعة التوحيد» و «الجهاد» وانتهاء بـ «داعش» ومروراً بأنصار «بيت المقدس». البعض الآخر يخص دوافع نقل انشطتها من استهداف إسرائيل في سيناء ومدِّها إلى أنحاء مصر، مع تركيزها على رجال الجيش والشرطة والقضاء. ثم ان هناك ثغرة أخرى في السجل تتعلق بجنسيات المنخرطين فيها ومصادر تمويلها وتسجيلها والجهات الداعمة لها. وبرغم شح المعلومات المتوفرة على تلك الأصعدة، إلا أن هناك أمورا متفقا عليها بخصوصها، منها ما يلي: إن «داعش» تمثل الآن أقوى مجموعة إرهابية على أرض مصر، ورغم محدودية أعضائها، إلا أنها تتمتع بقدرات وكفاءات عسكرية متميزة نظراً لانخراط بعض العسكريين السابقين في عضويتها، إضافة إلى مستوى تسليحها الذي لا يتوفر لأي مجموعة أخرى على الساحة المصرية. ثم ان هذه المجموعة حين كانت تحمل اسم «أنصار بيت المقدس» قامت بأخطر وأكبر العمليات الإرهابية التي تمت خلال السنتين الماضيتين. الأمر الثالث أن المجموعة استوطنت سيناء واعتبرتها قاعدة لانطلاقها مستفيدة من البيئة الحاضنة والجغرافيا المؤاتية. وتشير معلومات التقارير الأمنية إلى انهم انشأوا في وقت لاحق أربعة فروع لهم في منطقة الدلتا.
هناك ملاحظتان مهمتان على أنشطة التنظيم في مصر: الأولى ان ثمة فرقا كبيرا في طبيعة الأهداف ومستوى الأداء بين العمليات الإرهابية التي قامت بها «أنصار بيت المقدس» وبين العمليات الأخرى التي شهدتها مصر. الأمر الذي يسوغ لنا ان نقول إن الأولين متخصصون ومحترفون في حين ان الآخرين مجرد هواة. والقنابل البدائية التي يفجرونها في الأماكن العامة أو يفشلون في تفجيرها خير دليل على ذلك. في حين أن اتقان ونجاح عملية اغتيال النائب العام مثلا شاهد على المستوى الاحترافي الذي توفر «لأنصار بيت المقدس».
الملاحظة الثانية ان العمليات الإرهابية التي قام بها التنظيم في مصر نسب أغلبها إن لم يكن كلها «للإخوان»، تأثرا بمقتضيات وحسابات الصراع السياسي، الأمر الذي صرف الأنظار عن تنامي قدرات التنظيم في سيناء. وهو ما بدا منه ان التعبئة السياسية باتت مقدمة على استحقاقات المواجهة الأمنية. ولا استبعد ان يكون ذلك بين ما شجع تنظيم «أنصار بيت المقدس» على محاولة إقامة إمارة في سيناء تابعة لمشروع «الدولة الإسلامية» الذي تسوقه «داعش»، وشاء ربك أن يصبح ذلك خطأهم القاتل، الذى ورطهم في شر أعمالهم.
(3)
سواء كان ذلك ناجما عن الغرور أو سوء التقدير، فالشاهد ان تنظيم «داعش» أساء التقدير كثيرا حين تطلع لأن يكون له موطئ قدم على أرض مصر. وأغلب الظن أن النجاحات النسبية التي حققها في العراق وسوريا كانت العامل الأهم الذي أغرى قياداته بأن يجربوا حظهم في مصر، مستفيدين من «الجيب» الذي توفر لهم في سيناء. إلا أن النشوة انستهم أن مصر وضعها مختلف عن العراق وسوريا. فالدولة لا تزال متماسكة ومجتمعها يضم بحرا من البشر ناهز تسعين مليون نسمة، وهؤلاء لا يعانون من مشكلات طائفية أو قبلية أو عرقية على النحو الحاصل في العراق وسوريا وليبيا، حيث صراعاتهم وتجاذباتهم سياسية بالدرجة الأولى. ثم ان في البلد قوات مسلحة لها قدرتها النظامية وكفاءتها القتالية، بما لا يقارن بتشتت وتدهور كفاءة الجيش العراقي، أو تمزق وإنهاك الجيش في سوريا.
الخلاصة ان تنظيم «داعش» عندما جاء إلى مصر فإنه اختار العنوان الغلط، حيث أخطأ الحساب ولم يفرق بين مناخ وبيئة الدولة الفاشلة، وبين حصانات الدولة المتماسكة التي لها مشكلاتها حقا ولكنها لا تزال تحتفظ بقوامها وحصاناتها النسبية التي نسجتها عوامل التاريخ والجغرافيا والتركيبة السكانية.
أضف إلى ما سبق أن مشروع «داعش» ذاته بلا مستقبل. ذلك انه مشروع همجي ليس ضد التاريخ فحسب، وإنما ضد الجغرافيا أيضا. ذلك ان النموذج الذي يقدمه التنظيم يتبنى أتعس ما في الماضي ويسعى إلى هدم الحاضر والانتقام منه، بما لا يدع الفرصة للتفاؤل بالمستقبل. ولأنه عابر للحدود وغير معترف بالخرائط المستقرة القائمة، فإن خصومته شملت الجغرافيا أيضا. وانقلابه صار مستهدفا الخرائط لا منظومة القيم وحدها.
على صعيد آخر، فإن المشروع نتاج بيئة سياسية واجتماعية لها سماتها الاستثنائية. حتى أزعم أنه استنسخ وحشية النظام البعثي في العراق وسوريا واستثمر المرارات الطائفية والفوضى السياسية الضاربة الأطناب في بلاد الشام، ومن رحم هذه البيئة خرج الدواعش علينا شاهرين سيوفهم.
(4)
في بلاد الشام أصبح السؤال حول الاختيار بين النظام أو التنظيم واردا. بمعنى أيهما أسوأ: النظام السياسي القائم أم تنظيم «الدولة الإسلامية» الذي فرض نفسه على الساحة. والسوريون محقون في ذلك لأن بشاعة الاثنين تستدعي تلك الحيرة. وأهل السنة في العراق معذورون أيضا لأن معاناتهم من متطرفي الشيعة تدفعهم إلى محاولة الاحتماء بالتنظيم الذي قد يبدو أقل سوءا.
في الوقت الراهن، لا محل لطرح السؤال في مصر، وإذا كانت ظروف سيناء قد شكلت حاضنة نسبية لأفكار التنظيم ومشروعه، إلا أن ذلك يظل وضعا استثنائيا لا مجال لتعميمه على بقية أنحاء البلاد. صحيح ان محيط البشر الذي يضم 90 مليون نسمة لن يخلو من أناس يبدون الاستعداد للالتحاق بالتنظيم لسبب أو آخر. لكن هناك فرقا بين حدوث ذلك الاستثناء وبين تحوله إلى ظاهرة اجتماعية. وهو ما لا ينبغي أن يستبعد الاهتمام بتحصين المجتمع على النحو الذي يحول دون استفحال الاستثناء وتحوله إلى ظاهرة. وذلك ملف يبدو أنه لا يحظى بالاهتمام الذي يستحقه. والجهد المبذول فيه محصور في الإجراءات الأمنية وحسابات القوة العسكرية دون غيرها.
وإذا كان التعويل على الاكتفاء بالحل الأمني والحسم العسكري خطأ وقعنا فيه، فثمة خطأ آخر لا يقل جسامة تورطنا فيه، تمثل في السعي غير المباشر لتوحيد قوى مناهضة النظام في مصر. ومن المفارقات في هذا الصدد انه حين ينفرد تنظيم «داعش» بنهجه ويخاصم أو يحارب كل من عداه كما الحاصل في سوريا وفي غزة مثلا، فإن خطابنا السياسي والأمني يصر على ان يضع جميع المنتسبين إلى الإسلام السياسي في سلة واحدة ويعتبرهم جزءا من المؤامرة، في تجاهل مدهش وغير مفهوم للتمايزات الحاصلة بينهم، كأنما يدعوهم إلى التحالف في ما بينهم وتعزيز صفوفهم لتحدي النظام ومواجهته!
























