غزة-نوى-شيرين خليفة:
"زكريا-عاهد-محمد اسماعيل"، أربعة أطفال لعائلة بكر ضجّ قطاع غزة من أجلهم حين استشهدوا بأربع قذائف أطلقتها بحرية الاحتلال الحربية حين كانوا يلعبون على شاطىء بحر غزة خلال العدوان الإسرائيلي عام 2014؛ ليس فقط لكونهم أطفال بل لأن الجريمة وثّقتها كاميرا إحدى المؤسسات الإعلامية التي كانت مثبتة أعلى برج قريب من شاطىء البحر.
عام مر على العدوان، وما تزال الخمسينية أم عطّاف بكر تزور قبر ابنها الشهيد الطفل زكريا أحد شهداء الجريمة الإسرائيلية بشكل شبه يومي؛ تتجرع آلام فراق "آخر العنقود"، باكية عدم وصول يد العدالة للقاتل الذي حرم ابنها الطفل من حضنه وحرمها منه.
في مقابلة مع نوى تقول أم عطّاف –وهي أم 6 أبناء و 6 بنات:"مؤسسات حقوق الإنسان ما زالت تتابع القضية، فأطفالنا قُتلوا غدراً، كانوا يلعبون على البحر كعادتهم ونحن في وقت هدنة، لكن الاحتلال لم يعترف بجريمته، ومع ذلك ما زلنا نطلب حق أطفالنا".
وتتابع:"ليس غريباً على أطفالنا اللعب في هذا المكان فقد اعتادوا على ذلك، بيوتنا ضيقة ونحن نعمل بالصيد".
تسكن عائلة بكر قبالة شاطىء بحر غزة غرب المدينة الساحلية، يعمل أفراد العائلة على غالبهم بمهنة الصيد، يتوارثوه جيلاً بعد جيل، فلا عجب أن يكون البحر جزءاً من حياة أبنائهم فهم نشأوا جيران البحر.
مؤسسات حقوق الإنسان بغزة، توجهت بدعوى قضائية لدى محكمة الاحتلال للمطالبة بالتحقيق في ظروف استشهاد الأطفال الأربعة، لكن محكمة الاحتلال ادعت أنها وبعد التحقيق وجدت أن جنودها لم يرتكبوا خطأ وأعلنت عبر وسائل الإعلام إغلاق ملف عائلة أطفال بكر.
بألمٍ تشكو أم عطّاف إغلاق محكمة الاحتلال ملف القضية:"كأم مفجوعة بموت ابني أطالب بمحاكمة القاتل، الذي حرمني ابني وحرمني أيضاً ابن ابني أنام أم شهيد وجدة شهيد ثانٍ في نفس الجريمة، كما حرم أخي من ابنه وابن سلفي كذلك، جرحنا كبير".
أما شهر رمضان الفضيل فإنه يمر على العائلة وقد فرغ على المائدة البسيطة مكانين الأول لزكريا والثاني لعاهد حفيد أم عطاف، فيتجدد ألم الفراق:"عام كامل نتجرع الحسرة أما شهر رمضان فالله يعمل كم نبكي على فراق أبنائنا".
ليس استشهاد زكريا هو الفاجعة الوحيدة فبعد عام ما زال الطفل المصاب منتصر يعاني من صدمة نفسية حادة، منعته من العودة للمدرسة، أصيب خلال الجريمة بشظايا متفرقة في جسده، لكن آلامه النفسية أعنف.
بصعوبة بالغة تمكنّا من التحدث إلى منتصر، سألته عن عمره فقال أنه في الصف السابع، سألته لم لا يذهب إلى المدرسة فاكتفي بقول :"ما بدي"، حين قلت ألا تشتاق لأصحابك، أجاب بصعوبة :"أصحابي ماتوا".
تتحسر أم عطّاف على حال منتصر الذي لا يتحسن هو وابن خاله الطفل سيد الذي كان متواجداً أثناء الحادث:"هؤلاء الأطفال حالتهم النفسية صعب جداً، ابني أحيانا يصاب بعنف شديد فيبدأ صراخ وتكسير، ويتذكر الحدث بشكل دائم، لكن لم تهتم بحالته المؤسسات حتى اللحظة، فهو يحتاج علاج".
دعوة للصحافة
أما أم سيد بكر والدة الشهيد محمد فبدأت حديثها بدعوة الصحافة إلى الكتابة بشكل دائم عن ما تعرض له الأطفال خلال العدوان، وقالت:"حوالي 500 طفل قتلهم الاحتلال دون ذنب، ابني كان يلعب على الشاطىء لم يرتكب أي جريمة، وكنا في وقت هدنة، ولا يوجد أي تهديد على الاحتلال، إنهم يكذبون عندما يقولون أنهم أخطأوا وأنهم اشتبهوا بمسلحين لأن الأطفال لا يشبهون الكبار".
تبكي أم سيد بحرق وهي تحكي عن إغلاق محكمة الاحتلال لملف القضية بقولها:"أغلقوا الملف لانهم يريدوا ان يضيعوا دم أطفالنا، كل ما اطلبه محاكمة المجرم، لا أيد شيئاً آخر، دم ابني يجب ألا يذهب هدراً، هناك تسجيلات واضحة وكذلك الصحفيون الذين كانوا يتواجدون في فندق الديرة المجاور لمكان القصف أريد شهادتهم بأن المكان لم يكن فيه أي خطر على الاحتلال".
كرهت أم سيد – أم 3 أبناء و 7 بنات- زيارة البحر بعد استشهاد طفلها محمد، رغم أنها عائلة بطبيعتها تعشق البحر وشاطئه، ومن وسط دموعها تتقول:"حرمت البحر على نفسي وأبنائي لا أيد رؤيته، كيف لي أن أكون بخير وابني عمره 12 دفنه الاحتلال تحت التراب لا لشيء، لن يهدا بالي قبل عقاب القاتل".
تجهش بالبكاء وهي تروي من جديد حادثة استشهاد الأطفال الأربعة، حين كانوا يلعبون فاستهدفتهم بحرية الاحتلال بقذيفة، وفر الأطفال لكن الاحتلال تبعهم بثلاث قذائف أخرى أدت لاستشهاد أربعة وإصابة أربعة آخرين.
تقول أم سيد بعصبية:"الاحتلال لم يقتل أربعة لقد قتل ثمانية أطفال؛ أربعة تحت التراب وأربعة ما زلنا نعاني حالتهم الصعبة، ابني سيد لم يذهب للمدرسة ولا يتكلم مع الناس، ويتذكر الحدث ويصرخ بشكل مفاجىء، حتى اللحظة هو مصاب بصدمة".
حاولنا التحدث إلى سيد لكن بصعوبة قال :"أطلب إنهم يجيبوا حق اللي ماتوا، وأن يحاكموا اللي قتلهم وانهم ا يصدقوا إسرائيل".
مطالبة بالعدالة
في مقابلة مع نوى قالت المحامية ميرفت النحال مديرة الوحدة القانونية بمركز الميزان لحقوق الإنسان، أنهم كمؤسسة حقوقية لم يبلغوا رسمياً بإغلاق الملف، وإنما صدر بيان عن الجيش الإسرائيلي بذلك، وتضيف:"تواصلنا مع النيابة العسكرية وطالبنا برد رسمي على ذلك وتلقينا الرد.
تصف النحال الرد الإسرائيلي بأن حجته القانونية ضعيفة، فقد قال بأن المنطقة كانت عسكرية مغلقة وأن الأمر اشتبه على جنود الاحتلال فظنوا الأطفال مقاومين، وهذا غير صحيح بالنسبة للتقنيات الموجودة لدى الجانب الإسرائيلي، كذلك عدم مثول الشهود للشهادة وخاصة الأطفال الذين يعانوا من مشاكل نفسية ونصح أطباء وزارة الصحة بعد مثولهم للشهادة.
وتابعت النحال بأن الميزان بصدد تجهيز رد للنيابة العسكرية والمطالبة بإعادة فتح التحقيق، مضيفة أنه بعد انضمام فلسطين لمحكمة الجنايات الدولة أصبح هناك أمل بإمكانية توجه الملف لها، ولكن ذلك يمكن أن يتم من خلال اللجنة الوطنية العليا التي يرأسها د.صائب عريقات وتضم في عضويتها كل مؤسسات حقوق الإنسان.
























