بقلم – زكريا محمد :
يفترض الأستاذ محمد الحاج سالم في كتابه (الخطير جدا) أن ذبائح لعبة الميسر الجاهلي، التي كان لحمها يوزع في النهاية على المحتاجين، هي التي كانت تمنع ظهور الدولة في الجزيرة العربية، أي تمنع ظهور دولة الإسلام. بالتالي، فحين ألغى الإسلام اللعبة، واختفت ذبائحها، انبثق دولة الإسلام. لقد كان مصير الإسلام مربوطا بلحمة الميسر ربطا محكما. وحين حظرت هذه اللحمة انبثقت هذه الدولة التي طال انتظارها.
هذا هو جوهر كتابه الخطير المكون من مئات الصفحات. مئات الصفحات من أجل نظرية جديدة لتفسير ظهور الدول: الدول تظهر وتختفي بسبب اللحمة.
هذه هي نظرية (اللحمة والدولة) الرائعة التي أتانا بها السيد سالم. جيد، لكن هذا لا يتناقض فقط مع نص القرآن، الشاهد الصادق على نهايات العصر الجاهلي، كما بينا في مادتنا السابقة، بل يتناقض مع الحقيقة التاريخية. فقد قامت دولة الإسلام في المدينة، ثم انتصرت على مكة، وفتحتها، قبل أن يلغي الإسلام الميسر. أي ان الدولة ظهرت بوجود الميسر. فقد جرى إلغاء الميسر بعيد فتح مكة، أو مع هذا الحدث الكبير. بالتالي، فقد انتصر الإسلام ولحمة الميسر على أوضامها.
كان يمكن للمرء أن يتعامل مع هذه النظرية المتهافتة لو أن السيد سالم مثلا قال إن الميسر مثل مشكلة في وجه رسوخ الدولة، دولة الإسلام. لكنه أعلن، وفي عنوان كتابه، أن لحوم لعبة الميسر هي التي كانت تمنع ظهور الدولة. يعني: ليس اللات والعزى، وطوائف الحمس والطلس والحلة، وملؤها، وتجارة مكة، وغير ذلك، هم الخصوم الأساسيين لمحمد، وهم الذين مثلوا العقبة الكبرى في وجه الإسلام، بل لعبة الميسر. لم يكن على الإسلام ان ينتصر على اللات والعزى بل على اللحمة، لحمة الميسر، لكي يوجد دولته. فحين ألغيت لعبة الميسر انتصر الإسلام. أي ان الحرب كانت بين محمد ولعبة الميسر، لا بينه وبين (مؤسسة الشرك) التي تضم كل ما ذكرناه أعلاه.
حسن جدا، فلماذا إذن حين حصلت الردة في عهد أبي بكر لم نر أهل مكة والمدينة يرتدون إلى الميسر أفواجا؟ لقد ارتدت غالبية المرتدين بسبب الزكاة. فالدول تصنعها الضرائب. الضرائب هي التي تمكن من بناء أجهزة الدولة. والضرائب هنا في حالة الإسلام تعني (الزكاة) هنا. لقد ارتدوا ضد الزكاة. لكن ربما كانت لدى السيد سالم معلومات أخرى من مصادر لم تصل إلينا تقول أن الخليفة أبا بكر قال: "والله لو عادوا إلى لعبة الميسر لحاربتهم عليها أو أهلك دونها" بدل قوله الذي وصل إلينا "والله لو منعوني عقال بعير مما كانوا يؤدونه لرسول الله لحاربتهم عليه أو أهلك دونه".
فوق ذلك، ما هو شأن الخمر؟ ألم يربط القرآن بين الخمر والميسر؟ ألم يقل: "إنما الخمر والميسر والأنصاب والأزلام رجس من عمل الشيطان فاجتتبوه)؟ وإذا كان الأمر كذلك، فلماذا لا تكون (مؤسسة الخمر) أيضا قد لعبت أيضا دورها في ممانعة ظهور الدولة، مثلها مثل مؤسسة الميسر)؟ لماذا تكون اللحمة، لحمة الميسر وحدها، هي التي مانعت ظهور الإسلام؟
ثمة أناس يحبون اللحمة وشوائها في ما يبدو. لذا يقرأون تاريخ الإسلام عبر اللحمة!
وهم، بعد ذلك، يعتقدون أن أحدا يمكن أن يسرق نظرياتهم التافهة عن (الدولة واللحمة).
الأحسن للواحد ان يسرق قطعة من لحمة ذبيحة ميسر، وان يشويها ويتعشى عليها، من ان يسرق هذه الزبالة.
























