شبكة نوى، فلسطينيات
اليوم الجمعة 18 سبتمبر 2026م04:02 بتوقيت القدس

منح حياة جديدة لفتيات الشرق الأوسط

دكتور أبو العيش يروي كيف خلّد ذكرى بناته الشهيدات

06 يوليو 2015 - 22:31
شيرين خليفة
شبكة نوى، فلسطينيات:

غزة-نوى-شيرين خليفة:

بعد أن قتل الاحتلال الإسرائيلي بناته الثلاث في عدوان عام 2009م، وفُجع مبكراً بفقدانهن وقد كان يرقب يوماً بيومٍ نضوجهن ويحلم ككل أب بإكمال تعليمهن ورؤيتهن في أرفع المناصب وقد كانت بناته متميزات دراسياً، لكنه قرر تخليد ذكراهن فأنشأ مؤسسة تدعم تعليم الفتيات في الشرق الأوسط، وقدم علمه الطبي لكل من احتاجه، إنه البروفسور عز الدين أبو العيش، ابن مخيم جباليا شمال قطاع غزة، والمرشح لجائزة نوبل للسلام لأربع مرات، وصاحب الرواية الشهيرة "لن أكره"، والتي تُرجمت لأكثر من عشرين لغة.

تفوّق

يقول في مقابلة مع نوى:"أحمل إلى العالم رسالة أمل إنسانية في وقت أصبح فيه موبوءاً بالحقد والكراهية".

 ولد البروفسور عز الدين أبو العيش في مخيم جباليا شمال قطاع غزة، عام 1952م، لأسرة مهاجرة من بلدة هوج المهجّرة عام 1948، عاش حياته كباقي أبناء المخيم الفقراء، لكنهن تعلّم من أمه كما يؤكد دوماً أن الشعب المحتل يحرره العلم.

درس أبو العيش الطب في جامعة القاهرة  ومن ثم عاد إلى أرض الوطن ليعمل كطبيب نساء وولادة في مستشفى سوروكا لدى الاحتلال الإسرائيلي، عن هذه المرحلة يقول:"كنت أول طبيب فلسطيني يعمل في مستشفياتهم، أردت أن أوصل رسالة أن الفلسطيني بارع وإنساني بطبعه، حصلت هناك على أعلى شهادة في العقم وأطفال الأنابيب".

واصل أبو العيش تألقه كخبير في مجال، حتى جاء العام 2002 الذي قرر فيه تغيير التخصص، فدرس طب الجنين، وواصل نبوغه في هذا المجال.

منحنى

تعرّض أبو العيش لأول منحنى صعب في حياته حين فقد زوجته التي أصيبت بمرض اللوكيميا في نوفمبر من العام 2008م، وتوفيت سريعاً تاركة 6 بنات وثلاثة أبناء ووالدهم يجرعون مرارة فراقها.

يقول أبو العيش:"المرأة الفلسطينية بطبعها معطاءة وقوية ومؤثرة، كان فقدان الزوجة مأساة حقيقية للعائلة، حصلت حينها على عرضين من جامعة تورنتو للعمل هناك ولكن ترددت، أردت البقاء مع بنائي للحفاظ عليهن ورعايتهن، دور الأم ليس من السهل تعويضه، وقد كنت معتاداً على الغياب لعدة أيام من الأسبوع بسبب العمل".

نهاية ديسمبر من العام 2008 شن الاحتلال الإسرائيلي عدواناً شاملاً على قطاع غزة، قتل أكثر من 1025 مدني وهدّم آلاف المباني بما فيها أحياء سكنية بأكلمها، وخلال هذا العدوان كانت المأساة الثانية للدكتور أبو العيش.

في السادس عشر من يناير 2009م، قصف الاحتلال الإسرائيلي بلدة جباليا بالمدفعية، فاستشهدت بنات الدكتور أبو العيش الثلاثة بيسان وميار وآية إضافة إلى ابنة عمهم نور التي كانت في ضيافتهم، فيم أصيبت ابنته شذا بجراح خطرة فقدت على إثرها إحدى عينيها وتم نقلها سريعاً إلى مستشفيات الاحتلال للعلاج وقد كانت الفتاة في الثانوية العامة.

يقول أبو العيش:"حدثت المأساة باستشهاد بناتي، في ذلك الوقت أحسست بأنني وحدي، خفف عني أنه وعقب استشهادهن أصدر اولمرت قراراً بوقف إطلاق النار من جانب واحد، حينها فقط شعرت أن استشهادهن أنقذ الكثير من الأرواح التي كان سيزهقها الاحتلال، بعد العدوان فكرت ألا أخرج وأبقى في غزة إلى جانب أبنائي خاصة ابنتي المصابة، عرضوا عليّ في كندا أن أذهب وأجرب العيش هناك".

ويكمل:"في شهر إبريل من العام 2009م، قررت شذا العودة من مستشفيات الاحتلال لتقديم امتحان الثانوية العامة، قبل شهرين فقط من موعده، لم أكن مطمئناً فابنتي متفوّقة وتوقعت لها أن تكون من أوائل القطاع، لكن والظرف هكذا فالنجاح لا يبدو مضموناً، حاولت إقناعها بالتأجيل لكنها أصرّت، هي أرادت التحدي، وفي يوم النتيجة قلت لها بهدوء لا يهمني النتيجة المهم صحتك، لم أتوقع معدلاً عالياً، والمفاجأة أن ذا فعلتها رغم ظروف إصابتها وفقدانها لعينها والظروف النفسية التي نمر بها، وحصدت 96% وتخرجت هذا العام من جامعة تورنتو كلية الهندسة".

لأرواحهن

غادر الدكتور أبو العيش برفقة بناته الثلاث وابنيه صوب كندا ليعمل هناك بروفسور في جامعة تورنتو، وأنشأ في العام اللاحق مؤسسة "بنات من أجل الحياة" التي  أسسها تخليداً لذكرى بناته الثلاث، وهي مؤسسة خيرية رسمية معترف بها من الحكومة الكندية، تقدم المنح والمساعدات التعليمية للطالبات اللواتي لا يتمكنّ من دفع المستحقات المالية وللمتفوقات، وتحصل على دعمها المالي من التبرعات.

يقول أبو العيش:"ضمن هذه المؤسسة أرى أرواح بناتي الثلاث في كل فتاة يتم مساعدتها على إتمام تعليمها، وكل شابة تحمل روح الإنسانية وتتعامل مع البشر بحكمة، قدمنا منح لمئات الطالبات من فلسطين والعراق وسوريا وحتى إسرائيل، قد لا يفهم البعض هذه النقطة تحديداً ولكن علينا أن نثبت للعالم أننا إنسانيون حتى مع من يحتلنا".

ويتابع:"أنشأت المؤسسة لأثبت أن الحياة يجب أن تستمر ومنح أمل جديد للناس، وإثبات أننا ننتج المستقبل من الماضي، فالحياة من صنع أيدينا، اعتبرت ذلك تحدياً لي، عليّ ألا أقبل أن أكون الضحية دوماً، وكما قال اينشتاين الحياة كراكب الدراجة من أجل أن يحفظ توازنه عليه أن يستمر".

ويكمل:"نحن نكمل بوتيرة أكثر سرعة وإصرار لن اقبل أن أكون الضحية ولن أستخدم القوة، بالعقل والحكمة فقط نتصرف، وليس بعصبية، فديننا ينهانا عن الغضب، صحيح نغضب ولكن الغضب الإيجابي الذي يكون دافعاً لتحمّل المسئولية.

أصدر الدكتور أبو العيش كتاباً أسماه "لن اكره"، تمت ترجمته لأكثر من عشرين لغة وتم تجسيده كمسرحية باللغة الألمانية ومن المنتظر أن يتم تمثيله باللغات الانجليزية والفرنسية أيضاً.

يقول أبو العيش:"يحكي الكتاب قصة حياتي، فأنا أطرح القضية الفلسطينية منذ مؤتمر بازل حتى العدوان الإسرائيلي عام 2009، ماراً على حياة اللجوء وتشردنا كشعب فلسطيني ووقوعنا تحت الاحتلال الإسرائيلي الذي ما زلنا نعاني منه حتى الآن".

ترشح الدكتور أبو العيش لأربع مرات لجائرة نوبل للسلام، كذلك حصل على العديد من الجوائز الدولية لإنجازاته الإنسانية والطبية، وحاصل على أعلى لقب طبي من ولاية مونتايو وهو أول فلسطيني يحصل عليه، كما حصل على 10 دكتوراه فخرية.

 

كاريكاتـــــير