بقلم - عدنان جابر
بسبب إبعادي من الأردن، لا يُسمح لي بزيارة الأهل والأصدقاء وأمكنة أحبها.
.. ليس أثقل على الروح من بتر العلاقة مع الإنسان سوى بتر العلاقة مع المكان.
ببساطة إنسانية:
يحق لي أن أقف وسط عمان، أمام كشك حسن أبو علي، صديق المثقفين والكتاب والأدباء وأقول له: صباح الخير!
يحق لي أن أقف أمام المبنى الذي كان مكانه في زمن مضى "مقهى العاصمة" الذي كان يرتاده المصابون بلعنة الكتابة ومن أدركتهم حرفة الأدب، وأرسلُ حزني قليلاً!
يحق لي أن أجلس على حجر روماني في الساحة الهاشمية، وأتطلع إلى جبل أو سماء!
يحق لي أن أذهب إلى مؤسسة شومان في الشميساني، إلى مكتبتها، وإلى ندواتها!
يحق لي أن أجلس مع الساخر رسمي أبو علي وأسمع منه عبارة ساخرة!
ويحق لي أن أذهب إلى بلدة الفحيص الدافئة، لأزور الشاعر جريس سماوي لأشكره وأهله على دفئهم، بعد سنوات من الغياب القسري. فقد طلبنا منهم شربة ماء، لكنهم أصرُّوا، دون ما سابق معرفة، على أن نتناول معهم طعام الغداء، وأعطوا ابني مارسيل، حبة رمان رائعة، ما زالت حتى الآن مكانها على شجرة الذاكرة...
أجل، حبة الرمان صارت ذكرى، وكذلك مارسيل!
مارسيل، الذي نال ثمرة الرمان الشهية من حديقة بيت السماوي في الفحيص في ذلك الصباح الجميل من صيف عام 1991 وكان عمره آنذاك 7 سنوات، أصبح الآن ذكرى!
في بلغاريا، صوفيا، يوم السبت الساعة الواحدة ظهراً الموافق 26 تموز 2008 اختار مارسيل عدنان جابر، وهو في الرابعةِ والعشرين من العمر، أن يُتوِّج نجاحه في السنة الرابعة والأخيرة في الجامعة، بالقفز من الطابق السادس. كان على وشك التخرج من الجامعة.. لكنه فضَّل أن يخرجَ من الحياة!
من حقي أن...
لكن المخابرات لا تعترف بحقوقك. هي تعترف بحقوقها هي وواجباتك أنت. حقها الأول أن تظلمك وتنكد عليك عيشك وتتسلط على حقوقك الأساسية. وواجبك الأول، في عرف المخابرات، هو أن تبيع نفسك وتكون مخبراً، حتى بلا رغبة!
أعترف أمامكم أيها الأعزاء: ما زلتُ مريضاً بـ "مرض المخابرات" !
المخابرات لا تحضر فقط بالطَرْقِ على الباب والإستدعاء والإعتقال، بل تحضر كذلك بالهواجس والقلق والذكريات والشعور بالظلم واستدامة القهر.
نعم، أنا مريض بـ "مرض المخابرات"، لكني أعالج نفسي بنفسي. فمشافي الأردن، والمشافي في الدول العربية الأخرى، لا تعالج مرض المخابرات، والمشافي في الغرب لا تعرفه!
.. أعالج نفسي بنفسي !
حين جئتُ إلى الدنيا
لم يشاورني أحد
وحين أغادرها لن يشاورني أحد
أعيش حياتي !
بعد سنوات الأسر، خرجت من السجن بحكمة: الحياة صراع، وكل مشكلة ولها حل.
وبعد سنوات طويلة من التشرد والمنافي، توصلت إلى خلاصة ذاتية:
اليأس ترفٌ لا يناسبني
الأمل زوادتي كل صباح!
أنا سعيد، والمخابرات تعيسة، فأنا لم أبع نفسي، والمخابرات تمارس ظلماً مدفوع الأجر.
في قدمي 60 شظية ( من الأعداء لا من الأشقاء الحمد له!) وأنا تجاوزت ألـ 60.
بين آونة وأخرى أشكر هذه الشظايا، لأنها تُطْلِقُ رسالة إلى دماغي: أنتَ، أنتَ يا رجل، تفقَّدْ ذاكرتك..
.. أنا رجل لا ينسى !
ما زلتُ أمشي، والطريق يقول لي:
لا تأخذ الحياة على محمل الجد، وحوِّل الحزنَ إلى كتابة !
























