شبكة نوى، فلسطينيات
اليوم الاثنين 26 اكتوبر 2026م09:09 بتوقيت القدس

غزه روضت كل انواع الحصار

12 نوفمبر 2012 - 11:19
محمد السمهوري
شبكة نوى، فلسطينيات:

عمان – نوى

تحاول غزة المحاصرة والمحتلة أن تنجو بنفسها كل مرة، لكنها تتعثر في نشرات الأخبار وفي جمل المحللين والمتنازعين عليها، والطائرات التي تقصفها بين الحين والآخر، والحصار الذي يعتبر وجبة مرة يهضمها المحاصرون على مضض جعلت حياة الناس هناك مستحيلة، لا وجه لغزة سوى ذاك الذي تقدمه محطات التلفزة الإخبارية عنها وعن ضيق أهلها، وظروفهم الإنسانية والسياسية الصعبة، إلا أن لغزة وجهاً آخر أقوى وأحلى، فالقطاع المحاصر إلا من البحر هو الفضاء الوحيد، إلا أن البحر أيضاً محاصر .

وقفت أشاهد ميناء الصيادين، هي مساحة بسيطة تتحرك فيها المراكب، تعلوها إضاءات قوية مسلطة على وجه الماء، إنه اختراع الصيادين من أجل استبدال القمر بالإضاءة الاصطناعية، فبعد أقل من كيلو مترات معدودة لا يسمح للصيادين بالدخول أعمق في مياه البحر من قبل الاحتلال “الإسرائيلي”.

الحياة صعبة هناك في غزة . . إلا أن مثقفيها وفنانيها، لهم وجهة نظر أخرى، تناكف الأحكام الجاهزة والأوامر إضافة إلى ما هو أقسى وأمرّ،  فالانقسام الفلسطيني الفلسطيني سبب شرخاً كبيراً راحت ضحيته غزة بالكامل .

كنت في غزة وعشت تجربة أن تكون تحت الحصار، تجولت في القطاع، تعرفت إلى فنانين ومثقفين من هناك، تلك القطعة المنسية إلا من نشرات الأخبار التي تنز دماً، فيها فن حديث معاصر يخاطب العالم برؤى تحكي عن غزة أفضل مما تحكيه تصريحات السياسيين وتعليقات الصحافيين وتخمينات العدو المتربص بها .

 

وبين غزة والعاصمة الأردنية عمّان حكاية تتجذر فيها المشاعر وطوق نجاة، “هذه أيضاً غزة«، عنوان مغاير لما يعرفه الناس عنها، غزة فيها شباب وشابات ملامحهم واضحة، وفي قلوبهم تفاصيل مدهشة، وفي عيونهم ألوان غير لون الدخان الصاعد بعد القصف .

إنسانية الغزيين

أقوى من كل أنواع التهميش بين احتلال “إسرائيلي”أن طريقاً ثالثاً أو رابعاً هو خطوة باتجاه المستقبل، هي أيضاً احتفالية فردت لها عمان مساحة كبيرة للتفاعل مع نخبة من مثقفين وفنانين وموسيقيين جدد بكل ما تحمل الكلمة من معنى .

يسجل الموقع “الحوش”الثقافي هذه المبادرة بالتعاون مع معمل 612 وأمانة عمّان الكبرى لجمع فنّانيين مُعاصرين من قطاع غزّة والاحتفال بهم وتمكينهم . تمّ تطوير هذا المشروع خلال سنوات تخلّلت جولاتٍ تنظيميّةً كثيرة على مستوى القواعد الشّعبيّة وبناء العلاقات بين مديري الحوش، المنبر الثّقافي الثّوري الجديد القائم على التّجارة الإلكترونيّة للفن والتّصميم العربي المُعاصِر، والفنّانين في غزّة وعبر فلسطين، هذه أيضاً غزّة . . هو معرضٌ رائد لأعمال 38 من فنّاني غزّة الذين يحكون قصّة الجانب الآخر من غزّة، قصّة الليونة التي لا تُصَدق، الإبداع، الطموح، والمُجتمع الذي يُعَرف الجيل القادم في الفن الفلسطيني .

موسيقا

منعم العدوان هو مغن وملحن وعازف عود من غزة . بدأ حبه للموسيقا منذ مرحلة الطفولة عندما بدأ بغناء الأغاني الفلسطينيية التراثية وأناشيد دينية . في عمر ال17 بدأ بتعلم العزف على العود في جامعة طرابلس والتي حصل منها لاحقاً على شهادة الماجستير في علم الموسيقا . كفنان موسيقي معاصر، اختصر عدوان ما يعانيه أهله في غزة بجملة واحدة “لن يحاصر صوتنا، فالفن لا يوقفه الحصار، سنبقى نغني للحياة، طالما أن هناك من يسمع، وهناك الكثير ممن يريدون سماعنا”

تشكيل

 “يشاهد المرء أعمال الفنانين المبدعين . . معلقة إلى جانب أعمال الفنانين حديثي التخرج في كلية الفنون . يعطى المشاهد حق التقرير بينه وبين نفسه عما هو مهم«، كما تقول الناقدة والفنانة الفلسطينية المعروفة سامية حلبي، 33 فناناً من غزة و85 عملاً لهم عبرت لوحاتهم الحدود الدولية لتكون شاهدة على مشهد الفنون المزدهرة والناشئة في قطاع غزة اليوم . المعرض يضم أعمال الفنانين المقتدرين، إضافة إلى الفنانين الشباب الناشئين .

يرى الفنان التشكيلي محمد أبو سل أن غزة روّضت كل أنواع الحصار والعقاب الجماعي والإغلاقات المتكررة، بهدف تقديم نفسها دائماً “يوجد حياة في غزة اعتاد عليها الناس، الجميع يتأقلم مع أي متغير يحصل، الشباب تحديداً ركزوا على التواصل مع العالم الخارجي من خلال الإنترنت ومحاولات المشاركة الخارجية، الناتج الثقافي هو ترجمة للحالات التي يمر فيها الفنانون”.

 

ويضيف الفنان أبو سل “الحصار أثر بشكل كبير في طبيعة المنتج الفني نتيجة شح الموارد الخاصة بالأعمال الفنية، إلا أن فناني غزة اكتشفوا بدائل، في المقابل لم تتوفر أية دعوة للخروج من أجل عرض أعمالنا والتواصل مع العالم الخارجي والالتقاء بالفنانين العرب والأجانب”.

وخلص الفنان أبو سل إلى القول “نحن لا نثير الشفقة، بل على العكس اشتغلنا وبذلنا جهوداً كبيرة في محاولة لتقديم أنفسنا وثقافتنا بطريقة ملهمة وجديدة في الشكل والمضمون”.

فوتوغراف

11 مصوراً فوتوجرافيّاً من غزّة، 58 نافذة على غزّة . من الانقباضات القويّة للأبيض والأسود في أعمال نداء بدوان، إلى الرؤى اللونيّة لأيمن حجازي، يُقدم فنّان وفنّانة صغيرا السّن معرضهما الأوّل . مصوّر آخر صغير في العمر، وهو محمود أبو حمدة، يأتي بعينٍ فلسفيّةٍ خصبة تشملُ صوراً فوتوغرافيّة لغزّة وأطفالها، بينما تخلق إيمان محمد صوراً لافتة للانتباه لبدو غزّة . المعرض أيضاً يشتملُ على صورٍ فوتوغرافيّة لفنّانين ذوي خبرة تضُم الصّور التّجريبيّة ذات التّماثُلات المُستترة لباسل المقوسي، الوجوه المُضاءة لمحمد الحواجري، مشاهد الجلاء والعتمة لشادي العصّار، و”العدية”الحضريّة ذات البُنية الغنيّة لأسماء الخالدي، خليل المزيّن، سلمان نواتي، وماجد شالا .

 

تشير المصورة الشابة نداء بدوان “غزة وضعها حساس، وهذا ما يجذب الآخرين اليها، أن أخرج من غزة فهذا موضوع غير عادي، حين كنت في غزة شاهدتها بالأبيض والأسود، أما الآن فهي بالنسبة لي بالألوان”.

تقول الفنانة والمؤرخة سامية الحلبي اعتمدّتُ على معرفتي كمؤرخة للفن التّشكيلي الفلسطيني في القرن العشرين، إضافةً إلى خبرتي مع بعض هؤلاء الفنّانين عندما شاركتُ في تنسيق معرض مجموعة الجسر في مدينة نيويورك (جسور ويليامز - فلسطين)، إضافة إلى ذلك، “لدي خبرة من بعض الزّيارات إلى غزّة والتّواصُل مع فنّانيها، وأذكر أنّني في إحدى زياراتي إلى هناك كمُستشارة، اصطحبتُ معي مدير متحف المحطّة في مدينة “هيوستن”كجزءٍ من دعم معرض (صُنع في فلسطين) .

وتشير  الحلبي “إلى أن فنّاني غزّة، بالرّغم من أنّهم يعيشون ظروفاً صعبةَ جدّاً، غير أنّهم مُدرِكون للعالم، إنّ تيّارات تاريخ الفن والمشهد الفنّي المُعاصِر تُرَى جليّةً في شكل ومضمون أعمالهم . إنّ تمثيل الأعيُن في فن الانتفاضة الفلسطينيّة استُخدِم كرمز للإبلاغ بأنّنا واعون، بأنّنا نعرف ما يحصُل لنا وأنّنا نرى العالم بوضوح، من المُثير للاهتمام أنّ هنالك الكثير من الأعيُن في لوحات الفنّانين من غزّة، مع ذلك، لا يوجد مكانٌ حيثُ الأعيُن تكون واضحة الدّلالة على معرفة العالم أكثر ممّا نجدُهُ في مشروع “غزّة وود”(على غِرار هوليوود)، وهي سلسة من المُلصقات للفنّان أحمد أبو ناصر (المعروف بطرزان)، ومحمّد أبو ناصر (المعروف بعرب)، فهذه المُلصقات تُشيرُ إلى وعيٍ حول الفروقات التّفصيليّة للمعنى في أخبار الإعلام الدّولي السّائد والموجّه، والمُمارسات الثّقافيّة للغرب سواء في الأفلام أو في فنون ما بعد الحداثة، لكن يوجد اختلاف بين الأعمال “الما بعد حداثيّة”للأخوين عرب وطرزان ناصر ومعرض لوحات غزّة، وهذا الاختلاف يعكس الاتّجاهين الماثلين في النّتاج الفلسطيني المرئي في عصرنا الحالي، فبينما تبقى فلسطين الموضوع الرّئيس في كلا الاتّجاهين، فإنّ الشّكل يختلف، الاتّجاه الأوّل هو الرّسم الفلسطيني المُعاصِر، وهو مرئي وتصويري، يعتمد في رسالته على الرّمز المُشَاهَد، أمّا الاتّجاه الآخر، فهو فن ما بعد الحداثة الفلسطيني، وهو اتّجاهٌ يُشارك رسميّاً في الاتّجاهات الدّوليّة المُعاصرة لِما بعد الحداثة مُستخدِماً الوسائل المُختلطة مُتعددة التّخصصات، ومُعتمداً بشكلٍ أساس على اللغة اللفظيّة . إنّ فنون ما بعد الحداثة هي ليست رسماً، إنّها فرع مُختلف تماماً من فروع المعرفة .

وخلصت المؤرخة الحلبي إلى إنّ الرّسم الفلسطيني المُعاصِر الذي مارسهُ مُعظم فنّاني غزّة هو عبارة عن استمراريّةٍ لتقاليد سابقة، فليست فقط التّأثيرات الشّكليّة لجيل الرّسامين الفلسطينيين الأسبق وحدها ما يُرَى، بل أيضاً تأثيرات فنون التّاريخ العربي والفنون القديمة للمنطقة . إنّ بقيّة هذا التّعقيب تتعاملُ مع الرّسم والتّصوير الفوتوغرافي الفلسطيني المُعاصِر كصورٍ أُحاديّةٍ ثابتة، أوّلاً لشكلها، وأخيراً لمُحتواها .

فنون بصريّة

يتفق كل من ياسمين ميلفن كوشكي، ورشيد عبد الحميد من موقع “حوش”الثقافي على أن الهدف من (هذه أيضاً غزة) تقديم رؤيةٍ جديدة لغزّة، “رؤية احتضنتها أعيُن أكثر فنّانيها البصريين المُعاصرين سطوةً . خلال النّصف قرن الأخير وأكثر، كان يُنظَر إلى غزّة، عربيّاً وعالميّاً، وبشكلٍ شبه حصري، من خلال عدسة كاميرا الحرب، الاحتلال، الاقتتال الدّاخلي، والصّراع الإنساني، فإذا انحرفنا إلى اليمين نجد أنّ أهل غزّة يُعتبرون جُناة، وإذا ذهبنا إلى اليسار نجدهم الضّحايا”. ويضيفا “من خلال معرضٍ رائد يُقدمُ أعمال 38 من الرّسامين، المُصوّرين الفوتوغرافيين، وفنّاني الفيديو، جنباً إلى جنب مع عروض الأفلام، النّقاشات العامّة، والعروض الموسيقيّة، فإنّ معرض هذه أيضاً غزّة يهدف إلى تحدي هذه الصّورة المُفرِطَة في التّحديد والتّسييس، وإلقاء الضّوء على إنسانيّة غزّة الليّنة، جمالها، وأهميّتها الثّقافيّة في الوطن العربي المُعاصِر وما وراءه”.

ويشير كل من ياسمين وعبد الحميد إلى القول “إنّهُ من الحقيقي جدّاً أنّ غزّة مكانٌ للرّعب المستمر والمُعاناة البشريّة، وللأسف بشكلٍ يومي: إنّ فنّ غزّة يُرِينا ذلك، بالرّغم من حيويّته التّقنيّة والجماليّة التي تُشير إلى ازدهارٍ ثقافي، وكما تؤكّد الفنانة والمؤرّخة الفنيّة سامية الحلبي، فإنّ تاريخ الفن العربي الحديث والمُعاصِر -وخصوصاً الفن الفلسطيني- لم ينفصل عن السّياسي أبداً . فنانو غزّة يُقدمون “فن الانتفاضة«: فن، في قلبه، يُحركُه الحلم بالثّورة، نشيدٌ للكُل المفقود، ورغبةٌ بالعدالة، ولكن كما يُبيّن عمل الجيل الجديد من الفنّانين الفلسطينيين -على سبيل المثال عمل طرزان وعرب السّاخر شديد اللهجة والمُتعالي في الوقت نفسه، والذي يسخر من مُلصَقات أفلام هوليوود (غزّة وود)- فإنّ فنّ الانتفاضة الفلسطيني قد تخطّى عتبةً حرِجة داخل “الما بعد حداثوي”. علاوةً على ذلك، فالفن الفلسطيني “الما بعد حداثوي”لا ينتهي بالسخرية، بالأحرى، نجدُ السّخريّة مُنتظِمةً في وضوح الجماليّات الدّراماتيكيّة الجديدة للإخلاص”.

الفنان السينمائي عرب ناصر عبّر عن ضيق الناس في غزة “من الصعب التنقل والخروج من القطاع، فغزة مكان متعارف عليه دولياً على أنه مكان صراع ومشاكل، لا يوجد إدراك للوجه الآخر لغزة أي الجانب الثقافي والفني، نحاول إيجاد حلول إنسانية من خلال الفن، الانقسام الفلسطيني أثرّ في الفن والثقافة، كما أن توجهات الحكومة في غزة تسببت في مضايقات، وهذا يؤثر سلباً في كل شيء”.

وأضاف عرب “المثقف في غزة يسير على حبل فالسقوط صعب، في غزة كانت هناك 12 دار للسينما، الآن لا توجد أي دار للسينما”.

يؤكد الناشط والمدير التنفيذي في موقع “حوش”الثقافي إيهاب الشنطي أن كل أنواع الحروب لا تستطيع أن تلغي تعبيراً في لوحة فنية، فالفن والثقافة أهم الطرق لتعزيز الصمود والمقاومة، وفي نهاية الأمر، كل الدبابات على وجه الأرض لا تستطيع أن تمحو قصيدة”.

 

كاريكاتـــــير