"اشتريت لك يمّا الكعك من مخبز المصرارة, وأقراص الكِشِك من باب العمود،بسّ؛ ما لحّقِت أشتري من عمي "أبو الياس"إمشبّك، كان كلّه مخلِّص، وبعدها ضلّيت طالعة على مطعم "العجوز والبحر" بيافا أنا وصديقتي النابلسية.. اتغدينا هناك.. وستّي زعلت منّي عشان ما اتغديت عندها كبّة وورق عنب بمطبخها اليافاوي.. هي بتسلّم عليكي، وبعتت لِك ضُمّة هالنعنع، إلحقي حُطّيها بميّه، طول الطريق لغزة؛ وأنا رافعاها برّه الكيس عشان ما تذبل".
مدن وقرى فلسطين التاريخية تُكمّلُ بعضُها بعضاً غذائياً ومحاصيلياً وطبيعياً وصناعياً ومزاجياً وآدمياً.. في الصيف كانت تتغنّى موائد السهرات في غزة بموز وبلح أريحا والأغوار، بينما تعُجُّ بيوت أهل الضفة الحبيبة بشقحات بطيخ جنين.. صابونة الشكعة التي تُسكبُ في نابلس كانت تذوب هنا في رؤوس أطفال غزة أكثر من ذوبانها في نابلس.. وبينما تتلاشى حبّات التوت الأرضي من بيت لاهيا في أفواه أهلنا في طولكرم وقلقيلية؛ كانت قطوف عنب الخليل تداعب شفاه أهل غزة.. وبينما تتلاقف الأيادي في رام الله حمضيات غزة ويافا بانتعاش وابتهاج؛ تجيدُ مرمرية الضفة تحسين مزاج حلقات السَمَر الليلية في شتاء غزة.
وبينما تلمع أحذية "الخليل" التي ينتعلها شبابنا في غزة وتبرُقُ أصدافُ وتُحفُ"بيت لحم" في بيوت غزة العتيقة يتراص فخار مدينة خانيونس وبسطها -المغزولة يدوياً بأبهى الألوان- في مشربيات وقيساريات مدينة نابلس العريقة.
نحن حتى على صعيد الخِلقةِ والوجوهِ والملامح والفروقات الشخصية وتفاصيل الجسم والجمجمة ونبرات الصوت واللكنات.. تجد وكأنّ ثمّة تشابه بل وتجانسٍ وتآلفٍ بين كلّ الفلسطينيين.. فالهوية الجامعة لنا جميعاً واحدةٌ ضاربةٌ في جذور الأرض منذ آلاف السنين؛ إلا أنّ حالة الاستكمال والاستتمام للهوية الفلسطينية الواحدة لازالت ومنذ 67 عاماً تتعرض للانتقاص والتشتيت والتفريق والتصغير بشتى الوسائل والطرق؛ وعلى رأسها الاحتلال الإسرائيلي وجداره العنصريّ وحواجزه العسكرية ونقاط التفتيش المقيتة.
دعوني هنا أتحدث قليلاً عن حاجز بيت حانون "إيريز" حيث تابعتُ مؤخراً قصص العديدين من أهلنا في غزة الذين ذاقوا الأمرّيْن للحصول على تصريحٍ لاجتياز هذا الحاجز؛ وصولاً للضفة القريبة الحبيبة؛ لكن دون جدوى.
ولعلني -وكما الكثيرين- قد راق لي العديد من الحملات والمبادرات التي قامت بها عددٌ من المؤسسات والتجمّعات الشبابية مؤخراً،ومنها "متحركين من أجل فلسطين"،"أنا فلسطيني من غزة من حقي الصلاة في القدس"؛ إلى جانب حملة "بدنا نشوف الضفة.. بدنا نشوف غزة" علّ مثل هذه المبادرات تُحرك ركود هذا الملف الشائك؛حيث تُعتبرُ بمثابة لوبيٍّ ضاغطٍ على سلطات الاحتلال، وعلى ذوي الاختصاص والمسئولية في "السلطة الوطنية الفلسطينية"أيضاً؛ لذا؛ أرى أن من الضرورة بمكان استمرار وتطوير أدواتٍ مثل تلك المبادرات؛ بحيث نتأرجح بسكينةٍ ودعةٍ ذهاباً وإياباً بين شطري الوطن؛ لا أن نُسلق ونُكوى بالحديد والنار مائة مرة كي نحصل على تصريحٍ يمكننا من بلع جرعة دواءٍ مريرةٍ ممزوجةٍ بقهر الذل والظلم في مستشفى داخل "إسرائيل".
























