هل أكلت اليوم؟ ربما ستعتبر هذا السؤال سخيفا وساذجا!! أو لا يستحق أن يكون بداية مقال وعنوانه!! لكن هذا السؤال من أهم الأسئلة التي يسألها أكثر من مليار و300 مليون صيني بشكل شبه يومي قائلين «ني اتشي لي ما ؟ « كجزء من حالة الترحيب والطمأنينة للأفراد فيما بينهم وبالتالي كمجتمع ككل. ربما نحن نسأل بشكل يومي بعضنا البعض: كيف الحال؟ ما هي أخبارك اليوم؟ إذن مدلول السؤال له علاقة بما يحمله السؤال من إرث وليس ما نتوقع إجابته الآنية. وما وراء سؤال هل أكلت اليوم؟ أكبر من الإجابة بالنفي أو الإيجاب، فقد خرج هذا السؤال الى فضاء التداول به بعد وفاة ما يقارب 45 مليون نسمة.
ثقافة أي شعب مرتبطة بتاريخه أولاً وأخيراً، وعند قراءتك لواقع الثقافة ومدلولاتها في جمهورية الصين الشعبية فإنك تجد ثقافة من نوع مختلف عن باقي دول العالم بتنوع محتواها الشمولي لتشكل لوحة ترسم بطرق مختلفة لكنها لذات الهدف. وحتى أكون أوضح وأكثر دقة _في ما أقصده _ علينا تجريد السؤال» هل أكلت اليوم؟» لماذا هذا السؤال؟ وما هو أثره على طبيعة الحياة اليومية للمواطن الصيني من حيث الممارسة الفكرية وبالتالي الفعلية؟
تعرضت الصين في الفترة الواقعة ما بين 1958 الى 1961 الى أبشع أشكال المجاعات على مدار التاريخ، يتم وصف تلك الفترة من قبل الفلاحين «السنوات الثلاث المرة»، ودون الخوض في تفاصيل التفاصيل في العالم الاقتصادي الخاص بالصين ذلك الوقت، إلا إنه بالإمكان تحميل مسؤولية المجاعة حسب وجهة نظر العديد من الكتّاب والباحثين للحزب الشيوعي الصيني؛ الذي قرر تغيير الصين من دولة زراعية إلى دولة صناعية، ليكون الشعب الضحية التي تدفع فاتورة الفشل من خلال الجوع القاتل. ونادى الحزب بحملة اقتصادية واجتماعية تحيل البلاد من دولة زراعية إلى صناعية، وذلك عن طريق استغلال تعداد السكان الضخم لتطوير الدولة بشكل سريع من خلال ترك الزراعة والاتجاه الى التصنيع، و أطلق عليها « القفزة الكبرى إلى الأمام»، أضف على ذلك فيضان النهر الأصفر مما أدى الى تلف المحاصيل الزراعية في وقت كانت تلك المحاصيل ستنقذ أرواح الملايين. بالتالي كان مجمل وفيات المجاعة _مع الأخذ بعين الاعتبار بعدم وجود رقم دقيق_ هو 45 مليون نسمة وكأن الجوع شن حرب على شعب واحد خسر من أبناؤه أكثر من حروب عالمية اذا ما خاضها شعب على شعب. هذه خلفية تاريخية سريعة وبسيطة حول سؤال هل أكلت اليوم؟ وما بين تاريخ السؤال وحاضره اختلفت الأمور كلياً.
اليوم أصبحت الصين التنين الذي نهض من بين الركام والجوع والحروب، يحلق في سماء الكرة الأرضية ويغزو جميع الأسواق العالمية، بدأ ذلك من خلال عملية تقييم ومحاسبة شاملة ثم الانطلاق بخطط عملية تنموية من مرحلة الصفر في كافة المدن والقرى الريفية، وتم إنشاء التعاونيات الزراعية والمصانع التي تخدم العملية التنموية في قطاع الزراعة، حتى الوصول الى الأبحاث التطويرية في العملية الإنتاجية ككل في القطاع الاقتصادي برؤية شمولية.
تعرفت من خلال زياتي لعدد من المنشآت المختلفة الصناعية والزراعية وحتى المؤسسات الثقافية بأن التنين الصيني يعصف بكامل قواه حتى لا يموت جوعاً، والقضية بالنسبة لأي فرد من أفراد تلك المنشآت والمؤسسات هي قضية وجود، يجب أن يقدم أفضل ما عنده من طاقة وإنتاج كل يوم حتى ينمو المجتمع ككل، فكل شخص له دور لا يقل أهمية عن آخر، من يعمل في جمع النفايات لا يقل أهمية عن رجل الأمن، والمزارع لا يقل أهمية عن المهندس، وأصحاب المهن الحرفية لا يقلون أهمية عن الوزراء، منظومة كاملة متكاملة ليذوب الفرد بالمجتمع وينصهر المجتمع في إطار شامل يحمل الذات الصينية بقيمها المختلفة.
ينعكس أيضاً سؤال : هل أكلت اليوم؟ على ممارسة الحياة بتفاصيلها البسيطة التي قد تراها عين سائح ما جاء من دولة لم تعرف الجوع أو العطش أو الحروب ليلتقط صور للأسواق والمطاعم الشعبية، أو لعجوز تبيع الفواكه الصيفية بنشاط وحيوية. ما لم تراه عين السائح ولا عدسة الكاميرا التي صنعت بالصين أن هذا الشعب يعمل 24 ساعة في اليوم كل فرد في اختصاصه، وكأنه يريد أن يعتذر لضحايا المجاعة بالعمل الدءوب لدرجة تصل لا يوجد قطعة أرض غير مزروعة ومنتجة تخدم بالتالي حاضر سؤال : هل أكلت اليوم؟
























