بقلم – خالد عيسى :
عدتُ الى دمشق بعد غياب قسري عنها دام اكثر من ثلاثين عاما ، رجعتُ الى المدينة التي هربتُ منها ببطاقة هوية مزورة الى بيروت في منتصف السبعينيات لاجئا فلسطينيا شابا ، ورجعتُ الى مطارها بعد هذه السنوات الطويلة فلسطينيا كهلا بجواز سفر سويدي !
في مطار دمشق ادركت ان قلب العروبة النابض هو قلبي الذي كان ينبض خوفا وضابط الجوازات يوزع نظراته بين جواز سفري السويدي ، وملامح وجهي ، وختم الدخول يمارس تردده بين يديه ، رغم اني حصلت على موافقة من السفارة السورية في استكهولم بالدخول الآمن ، لا ادري كم مضى من الوقت قبل ان " يطج " ضابط الجوازات ختمه الميمون على جواز سفري لأدخل الشام مقطوع الانفاس !
لم اكن ادري وانا ابحث في دمشق عن ما بقي عالقا في الذاكرة من دمشق التي تركتها مرغما كل هذه السنوات الطويلة ان زيارتي هذه ستكون الاخيرة قبل ان يندلع الحريق السوري الذي يلتهم الشام ، وان شرفات الياسمين التي كانت تسهر مطمئنة في احضان قاسيون ستتحول الى شرفات القناصة تطارد حمامة بيضاء بين دمر والهامة ، ولم يخطر ببالي ان حرارة صيف آب اللهاب الذي كان يتصبب عرقه تحت التيشرت في باب توما هو انذار مبكر للحريق الذي ينتظر الشام ، وكنت اعتقد ان صور ابتسامة الرئيس السوري الشاب التي تغص بها شوارع دمشق قد تعيد لسوريا شبابها وتجدد حياتها السياسية بعد سنوات طويلة من حكم اجهزة المخابرات بين القصر الجمهوري وسجن المزة ، وكنت اطل من قاسيون مبهورا بأضواء دمشق التي تتراقص على انغام قدود صباح فخري ، ولم اكن ادري ان دمشق ستمضي ليلها حول الشموع التي تتراقص حول دموعها المفجوعة برحيل الاحبة !
ولكن دمشق لم تعد دمشق التي غبتُ عنها كل هذا الغياب كانت دمشق في متناول اليد قبل ان اغادرها قبل ان تنتفخ المدينة ويزحف الاسمنت ويقضم غوطتها قطعة قطعة ، وتصعد دمشق الى قاسيون بأحياء سكنية جديدة لم تكن على ايامي ، لتجعل من الربوة التي كنا نسافر اليها بباص الرحلات اذهب اليها اليوم من ساحة المرجة مشيا على الاقدام !
ثمة شيء اخر كان يجري في دمشق التي كانت تخفي تحت هذه السكينة بركانا تتجمع حممه تحت قشرة واهية من هدوء الذي يسبق العاصفة ، وكنت ابحث في سوق الحمدية عن دهاء معاوية التي يحاول تجار الشام تجديل شعرته بتناقض عجيب ! كنت احاول تفسيره ، وانا اتفرج على بدلات الرقص الى جانب ملابس الصلاة تعرض بطلاقة في " فاتر ينات " سوق الحمدية ، وكنت ارى صورة كبيرة علقتها دمشق للزعيم الشيعي حسن نصرالله على جدار الجامع الاموي ، تحت بصر الخليفة يزيد ابن معاوية ، وتجار الشام يمارسون حياتهم ويصطادون الزبائن بمهارة شامية لا يتقنها غيرهم !
ولكن دمشق هذه خارج سوق الحمدية كانت دمشق ثانية لم تعد دمشق العلمانية التي عرفتها قبل ان يتحول المسجد الى حزب سياسي يجهز الثورة الاسلامية التي تحلم بعودة السنة الى القصر الجمهوري ، الذي غابت عنه اكثر من نصف قرن من حكم الحزب الواحد ، كنت اسمع في سيارات الاجرة التي كنت اتنقل بها تسجيلات الشيوخ والدعاة لم تعد اغاني صباح فخري تليق بالصحوة الاسلامية التي كانت تنهض بهدوء في شوارع دمشق ، وتحجب نساء دمشق شيئا فشيئا ، وتنمو لدمشق لحية تعد ثورتها الاسلامية التي انتظرت الربيع العربي لتعلن ثورتها من درعا !
اليوم والحريق السوري يدخل عامه الخامس ، وفق معادلة دولية حكمت هذا الصراع ان لا يسقط النظام وان لا تنتصر المعارضة الاسلامية في حرب التدمير الذاتي التي يمارسها النظام والمعارضة التي لن تخرج منها سوريا واحدة موحدة بعد ان صار التقسيم واقعا على الارض بين شمال سوريا وجنوبها وبعد ارادة اقليمية ترسم خرائط جديدة للمنطقة ، هل ينتصر دهاء تجار الشام ومهارة سوق الحمدية على المؤامرة الدولية بزعامة اسرائيل في المنطقة وقلب الطاولة واعادة تجديل شعرة معاوية من جديد بين اطراف الصراع ؟!
هي دمشق التي تبحث عن دمشق وسط بحر الدماء هل هي دمشق التي عدت اليها قبل ان يشتعل حريقها ؟ !!
























