بقلم - مصطفى السعيد :
حزب الفساد هو أقوى الأحزاب المصرية بلا منازع، فهو الأكثر مالا ونفوذا، والأوسع انتشارا، وقادته لديهم العزيمة والحافز على التقدم والتوسع والسيطرة، حتى لا يفقدوا الثروات الهائلة التى راكموها طوال العقود الماضية، بل يطمحون إلى المزيد من جنى المال والسيطرة على السلطة السياسية، ويتحفز لاكتساح الانتخابات البرلمانية المقبلة، المقرر إطلاق حملتها الانتخابية عقب عيد الفطر، والجديد والأخطر هو تلقى حزب الفساد لتمويل خارجى من دول إقليمية ودولية، لكى يحكم سيطرته على البرلمان الجديد، لتحقيق الأهداف المشتركة مع جماعات الإرهاب، لتقويض الدولة من الداخل، واستنفاد طاقتها ومناعتها، بعد أن حقق الفاسدون خطوات كبيرة ومهمة فى السيطرة على معظم وسائل الإعلام الخاصة، وأنشأوا عددا من الأحزاب الجديدة، إلى جانب الاختراق والهيمنة على الأحزاب القديمة.
حزب الفساد ليس جديدا على الساحة المصرية، فله جذوره الممتدة عبر التاريخ، وفى طوره الحالى له امتدادات تعود إلى ما قبل ثورة 23 يوليو، لكنه تلقى دفعة قوية مع إطلاق الرئيس المصرى السابق أنور السادات لسياسة الانفتاح الاقتصادي، والتى بشر فيها المصريين بأن يصبح لكل منهم فيللا وسيارة، لكنها أثمرت سقوط أغلبية المصريين تحت خط الفقر، وقفز حزب الفاسدين إلى المقدمة، ليستأثر بثروات هائلة فى زمن قياسي.وبلغ حزب الفساد ذروة قوته فى السنوات العشر الأخيرة من حكم حسنى مبارك، وكان يستعد لمرحلة جديدة على أيدى جمال مبارك وساعده الأيمن أحمد عز.ولم يكن حزب الفساد قاصرا على الحزب الوطنى الحاكم فى هذه الفترة، وإن كان هو المركز الرئيسي، فقد كانت هناك مراكز أخرى مالية وسياسية، امتدت إلى أحزاب المعارضة، مع منافسة مع جماعة الإخوان على قيادة منظومة الفساد، فكان للجماعة شبكتها الخاصة، والتى تداخلت وتزاوجت أحيانا مع شبكة الحزب الحاكم، وظل التنافس يحكم العلاقة بين الجماعة والحزب، وتعلو وتيرته أحيانا لما يشبه الصراع، ويخبو أحيانا أخري، لكنه يظل فى حدود الخلاف على أحجام ونسبة توزيع الكعكة، وكان كل منهما حريصا على عدم الوصول إلى درجة الصدام فى معركة وجود، وجعلها معركة حدود فقط.
ولحزب الفساد روافده المتعددة، جاء أحدها من شريحة التجار التى فتح لها السادات باب الاستيراد، واختار مدينة بورسعيد التى كانت رمزا للمقاومة، لتكون ركيزة طبقة االكومبرادور«، من وكلاء الشركات الأجنبية، التى تريد أن تصبح مصر سوقا مفتوحة لتسويق منتجاتها، والقضاء على الصناعة المصرية.
أما الرافد الثانى فكان من قيادات شركات القطاع العام المملوكة للدولة، والذى حقق الكثير من الأرباح عن طريق عمليات التجديد الوهمية، والدخول فى صفقات مع القطاع الخاص تحقق له الأرباح عن حساب شركات الدولة، وبيع المنتجات المدعومة لتجار السوق السوداء، والتلاعب فى الخامات وعمليات التوريد والصيانة وغيرها، إلى جانب الاستئثار بمبالغ كبيرة لكبار المديرين كحوافز وبدلات وغيرها من مسميات النهب المنظم والمشروع.
وجاء بيع القطاع العام «بتراب الفلوس» ليحقق للفاسدين أرباحا خيالية، فهناك شركات بيعت بأقل من ربع سعرها السوقي، بل أقل من ذلك فى عدد من الشركات الكبيرة، وجنوا من ورائها عشرات المليارات، إلى جانب احتكارهم للسوق، الذى جنوا من ورائها أرباحا خيالية.
أما الرافد الأهم فكان هؤلاء الذين نهبوا أراضى الدولة، واشتروا مساحات هائلة منها بأسعار رمزية، ثم باعوها لمشروعات الإسكان أو أنشأوا واشتركوا مع شركات مقاولات فى تحويلها إلى مشروعات سكنية أو سياحية، وأخرى تحولت إلى مزارع، والتهم الفساد مساحات كبيرة من الأراضى الزراعية، وتمكن بطرق قانونية أو بالمخالفة للقوانين من تحويلها إلى مشروعات سكنية، وأصبحوا يجنون ربحا بآلاف الجنيهات عن المتر الواحد من الأراضي. اهتز حزب الفساد وترنح خلال ثورة 25 يناير، لكنه سرعان ما استعاد توازنه، مع التراخى الذى لمسه فى ملاحقة الفساد، وهو ما أعطاه دفعة جديدة، لكى يسعى إلى ترسيخ وجوده، وأن يسرع وتيرة السيطرة المباشرة على أجهزة الدولة، واتسع نطاق سيطرتهم على الإعلام، من خلال إصدار صحف جديدة، وإطلاق قنوات فضائية، ويصرفون عليها ببذخ، رغم أنها تحقق خسائر كبيرة، لكنهم على ثقة من أنهم سيعوضون هذه الخسائر، إما عن طريق الشريك الأجنبي، الذى يريد التأثير والهيمنة على القرار المصري، أو من خلال تقوية نفوذهم السياسي، بما يسمح لهم بالحصول على امتيازات تعوض خسائر مؤسساتهم الإعلامية.
ويطمح حزب الفساد إلى السيطرة على المؤسسات الصحفية والتليفزيونية المملوكة للدولة، مستغلا أزماتها الشبيهة بما لحق بشركات القطاع العام، التى أصابتها فيروسات الفساد والإهمال، وجرى غمرها بالعمالة غير ذات الكفاءة، من خلال الوساطة والمحسوبية، لتترنح هذه المؤسسات، لكى تسقط فى أيدى حزب الفساد.
ورغم أن حزب الفساد بلا مقار ولا اسم معلن، فإنه يحظى بأوسع شبكة علاقات، تتميز بالمتانة والاستمرار، ونشرت خيوطها على معظم جهاز الدولة، مستغلة تدهور أجور الموظفين، وبرغم التناقضات التى تبرز بين أجنحته بين وقت وآخر، إلا أنه شديد التماسك بفعل المصالح، لأنه يملك ثروات ضخمة، يمكن أن يفقدها فى غمضة عين، ولهذا يعملون بدأب على الوصول إلى مراكز القرار، ومحاصرة وإبعاد كل من يعوق طريقهم. مبادرة القائمة الموحدة للأحزاب لا تضمن الحيلولة لتجنب الهيمنة المرتقبة لحزب الفساد، أو تسلل بعض أعضاء جماعة الإخوان، المدعومين من أطراف إقليمية ودولية، لكنها ستكون قادرة على الحد من نفوذهم، إذا ما رشحت الأحزاب أعدادا أكبر من شخصيات تتمتع بالكفاءة، وبعيدة عن شبكات الفساد، لكن هذه المبادرة تواجه عائقين، أولهما الاتهامات بأنها تفرغ الانتخابات من مضمونها التنافسي، وتحولها إلى مجرد استفتاء على قائمة واحدة، وهو ما يصفونه بالتراجع الديمقراطي، أما العائق الثانى فيشكله الطامحون إلى نصيب أكبر من كعكة البرلمان، اعتمادا على أموالهم ونفوذهم، والتمويل الأجنبى الضخم الذى من المتوقع أن يهطل عليهم، من أجل التأثير على قرارات البرلمان، الذى سيشكل الحكومة المقبلة.
عن جريدة "الاهرام" المصرية
























