شبكة نوى، فلسطينيات
اليوم الجمعة 18 سبتمبر 2026م23:46 بتوقيت القدس

من مريضة إلى طبيبة

القرنة تغلبت على السرطان وتعيش حياتها كبطلة

20 يونيو 2015 - 01:23
شبكة نوى، فلسطينيات:

 بيت لحم- خاص نوى- فاطمة مشعلة

حلمت سلام القرنة التي اعتادت على رسم محيط جفنيها بخطين عريضين من الكحل، بأن ترسم لذاتها صورة الطبيبة الناجحة، ففي عام 2006 بدأت رحلة الدراسات العليا في مجال علم النفس في إحدى جامعات الأردن، واكتشفت إصابتها بسرطان الغدد الليمفاوية، والذي كان ينتشر سريعاً في منطقة الرقبة وتحت الإبط ومنطقة الغدة الدرقية ومحيط الكلية.

تقول سلام :" اكتشفت المرض لدى ذهابي لطبيب الأسنان حيث كشفت صورة الأشعة ظهور عدد من الغدد الليمفاوية في الرقبة، أردت مقاومة السرطان الذي كان يتنقل في جسدي، من أجل أولادي، أردت الفرح بهم كأي أم"، تذكر سلام جملة قالتها طفلتها أثناء العلاج:" ماما أنا ما بدي تموتي بدي اتجوز وتنقيلي أواعيا".

تعمل سلام الزوجة والأم لخمسة أطفال، والطبيبة في مجال الصحة النفسية في قرية زعترة شرق بيت لحم، اكتشفت السرطان في مرحلته الثانية ، فكان تحديها لتصبح طبيبة، ودافعاً لتواصل رسالة الماجستير رغم ما تتطلبه الدراسة من راحة نفسية وجسدية.

الكيماوي نبع حياة

في مركز الحسين للسرطان بالعاصمة الأردنية عمان ، تلقت سلام علاجها الأول ضد المرض، أصرت على قلب أدوار الأماكن ، وتطويع المحيط الطبي لإرادتها، خضعت لأول امتحان، وهي تتلقى العلاج بالكيماوي الذي اعتبرته نبع ماء يروي جسدها ويمنحه الحياة.

في يوم تخرجها أخبرها الأطباء والأقارب بضرورة تأجيل جلسة العلاج بالكيماوي ليوم آخر، لتحضر حفل التخرج الذي صادف موعد الجلسة، لتتجنب أعراض الدوخة والهزال بعدها، لكنها رفضت وذهبت للحفل وإبرة العلاج في يدها، في لحظة مؤثرة بكت فيها كثراً، وأبكت رئيس الجامعة والحضور.

عادت سلام إلى فلسطين عام 2008، ما زال المرض عنيداً وهي لم تستسلم بل واصلت التحدي، قصدت مستشفى المطلع في  مدينة القدس للعلاج والعمل، راسلت جامعة برلين لإكمال دراستها ونيل شهادة الدكتوراة في ذات المجال فحصلت على مرادها بعد عامين .

جمعت سلام ثلاثية مذهلة ؛ فكانت مريضة بالسرطان وتتلقى العلاج ، وكطبيبة نفسية مع مرضى السرطان، عملت على مدهم بكل الوسائل النفسية الممكنة ليهزموا المرض، في الوقت الذي تحتاج فيه هي نفسها لمن يدعمها في مواجهة المرض ولإكمال الدكتوراه.

تفخر سلام  بتجربتها في قهر المرض، فقد خاضت المعاناة بكل أشكالها وأجرت 7 عمليات جراحية، وصولاً للعلاج الكيماوي، إلى جانب تجربة سقوط الشعر وتغير لون الشرايين من زرقاء إلى بني داكن، ناهيك عن الهزال والدوار عقب كل جلسة كيماوي.

الولادة من جديد

خمس سنوات مليئة بالتحدي والإصرار والعذاب تلقت خبر بحجم روعة السماء، حين أبلغها زميليها المشرفين على علاجها شفاؤها من المرض، لتعتبر ذلك انتصاراً وتحرراً أبكاها فرحاً بحجم الوجع الذي عانته، لتجعل من شفائها حافزاً آخر للحياة من أجل المرضى.

عزمت سلام على الوقوف إلى جانب مرضى السرطان في مستشفى بيت جالا الحكومي، كي لا يمر أي مريض بما عانته، من خلال توفير المعدات اللازمة ووسائل الراحة النفسية لهم، فهي طبيبة تعفر تماماً ما يمر به مريض السرطان من ألم جسدي ونفسي.

تتبع القرنة عدة قواعد نفسية مع مرضاها قبل وأثناء وبعد العلاج، خاصة أن المرض ينتشر وفق ما يتلقاه من رسائل عصبية سواء المليئة بالتحدي أو المتحمورة حول الموت، تتمثل قواعدها في كيفية إعلام المريض بحالته والعمل على تثقيفه نفسياً لمقاومة المرض خاصة أن مريض السرطان يرفض التعامل معه على أساس الشفقة.

استفز المرض الطاقات العاطفية واللغوية لدى الطبيبة سلام فتنبتهت بعد أيام معدودة من اكتشاف المرض أنها تستطيع أن تقول الشعر على سجية مرهفة، واستخدمت ما تكتبه في ملاطفة مرضاها في قسم الأورام وإدراج الشعر كتابةً وإلقاء وأسلوباً ضمن قواعدها العلاجية.

تروي الطبيبة سلام إحدى المواقف التي مرت بها حول مريضة بالسرطان كان يشهد لها بالشجاعة والصبر، وصل معها المرض للمرحلة الثالثة فأقعدها عن الحركة، فما كان من الطبيبة إلا أن تجلس بجوارها لتروي على مسامعها الشعر ليحدث ما عجز عنه الكيماوي، وتنهض المريضة معجبة بشعر طبيبتها.

في إطار سعيها لقلب الشعور من الانقياد إلى الموت، نحو الحياة، غيرت القرنة أسماء ألوان السائل الكيماوي، فالأزرق لون السماء والبرتقالي لون الغروب، والأصفر للحب، والأحمر للفراولة، وتأتي هذه المسميات لتعريف المرضى أن هذا السائل على الرغم من بشاعة آثاره الجانبية إلا أنه سيقود نحو الشفاء.

لا تكتفي الطبيبة التي تحظى بشعبية كبيرة في مستشفى بيت جالا بمتابعة مرضاها، بل ترافق أولئك الذين يقصدون طبيب الأورام للتأكد من إصابتهم بالمرض لتكون معهم منذ اللحظة الأولى في حال كانت الإجابة أنهم مصابون، فهذا يسهل ثقتهم بها واللجوء لها.

إلى جانب عملها في المستشفى فهي عضو مجلس إدارة في مؤسسة السديل للرعاية التلطيفية لمرضى السرطان والأمراض المزمنة، وتذكر أنها تعمل على جلب التمويل من الأطراف والمؤسسات المختلفة لدعم  عمل المؤسسة،  إلى جانب تنظيم رحلات ترفيهية لمرض السرطان ومرضى غسيل الكلى وغيرهم، ورحلات لأداء مناسك العمرة في الديار الحجازية المقدسة.

سلام القرنة التي أصرت على قلب المعادلة من الإصابة بالمرض للعلاج النفسي منه،  استطاعت تحقيق ما أرادت من علم ودراسة وشفاء وحياة،  قصتها تجعلنا نتساءل كيف استطاعت هذه المرأة المدهشة تحقيق كل هذا.

 

 

 

كاريكاتـــــير