بقلم – غازي انعيم :
كأن العالم العربي قد أفلت من عقاله. حروب دامية تحت مسميات متعددة، وعنف أكثر عنفاً، نتج عنه ازمات اقتصادية وقطيعة مذهبية واجتماعية كرّستها جماعات تمارس الإرهاب والإرهاب المضاد بطريقة تصاعدية لا يبدو أنها سوف تنتهي. هدفها المعلن مع تلك الحروب التغيير وباطنها الترويع والقتل وتدمير البنية التحتية وتبذير اموال الأمة وبث الفرقة والمتهم فيها الإسلام دون وجه حق حيث التقط الغرب هذه التهمة فاختزل الإسلام في عنوان واحد هو " الإرهاب ".
وبذا تكال التهم جزافا. ويصبح المسلمون جميعا حيثما كانوا متهمين ويبقى علينا أن ندافع عن الوجه الحضاري للإسلام لا في مواجهة الغرب فقط، ولكن في مواجهة كل المتعصبين ذوي الرأي الواحد الذين يريدون مع الذين يوفرون لهم المال والسلاح وكل وسائل الدعم اللوجستي تغيير العالم قسراً وحسب رؤيتهم المغلقة.
نعم، لم يعد يقتصر الإرهاب في العالم العربي على هوج الأفراد والجماعات ولكن هناك العديد من الدول التي نسيت قوانينها وأصبحت داعمة له بل وتمارس الإرهاب بدرجة أعلى من الهوج وتدخل في تحالفات تخالف روح الإسلام وتعاليمه.
لقد حاول الغرب والصهاينة - قبل ما يسمى بالربيع العربي - ربط أي نشاط إرهابي في أي مكان في العالم بالإسلام كعقيدة والمسلمين كبشر. وأصبح الغرب والصهاينة هما الداعم الرئيس للارهاب لأن هناك جماعات ودول تقوم بالنيابة عن الغرب والصهاينة باعادة هذه الأمة إلى العصور المظلمة.. وقد عودنا درس التاريخ ان هناك جهات مرتبطة بالخارج لا تمثل سوى مصالحها الخاصة، وهي في سعيها لتحقيق هذه المصالح تغلف مبادئها بالعديد من الأهداف السامية والبراقة..
وهذه الجماعات والدول تتعامى عن موقف الإدارة الأمريكية التي تتبنى مع دول الغرب بشكل دائم مواقف وسياسات الحكومات الصهيونية، بل وتجتهد في ايجاد الذرائع للسلوكيات الصهيونية في فلسطين.. إنها المصالح؟
ان ربط الإسلام بالإرهاب والدعوة بان يدافع الإسلام عن نفسه فيه ظلم واجحاف كبير بالملايين من بسطاء المسلمين الذين يعانون من شظف العيش وافتقاد العدل والحرية والكرامة. وفيه افتراء على تاريخ طويل للمسلمين، امتد على مدى مئات السنين من التسامح والحض على المعروف.
لقد مر هذا العام الذكرى ( 67 ) لاغتصاب أرض فلسطين وسلب حقوق شعبها، فضلاً عن طرد نسبة كبيرة منه خارج وطنه. وقد أصبحت منذ اليوم الأول من النكبة مواجهة العدو الصهيوني هي قضية العرب الأولى وأصبحت الآن في ظل الأوضاع المتوترة التي يشهدها الوطن العربي في آخر سلم الأولوية، ان لم يتم التغافل عنها.. كما انقلبت المعادلة فأصبح العدو صديق والصديق عدو.. كما مر ( 4 ) سنوات من العنف في العراق وسوريا وليبيا ومصر واليمن.. ولم نضع نحن العرب هذه الفرصة السانحة للبكاء على الأطلال كعادتنا. وإذا كان البكاء يريح المحزونين، فأنه بالتأكيد لا يصلح واقعاً ولا يعبّد. عملياً. طريقا لمستقبل. وكان الأجدى بعد مرور هذه السنوات العجاف أن نسأل أنفسنا:
- بعد مرور 67 عاماً على النكبة ومعها النكسة و ( 4 ) سنوات من العنف والعنف المضاد، ماذا تعلمنا؟ ومن ثم : ماذا أعددنا من استراتيجيات تجنبنا ضياع ما بقي لدينا من مال ومن أرض وعرض وكرامة وغد أفضل؟ صحيح أننا لم نضع في يوم من الأيام استراتيجية عربية موحدة تصب في خدمة الإنسان العربي، ولم نحارب موحدي الهدف في معركة واحدة نعد لها العدة، ولم نحترم حقنا وانساننا الاحترام الواجب، ولم نحدد المشروع الذي نواجهه، والعدو الذي يفرض علينا إرهابه الممتد من دير ياسين الى قانا.
لا شك أن ما حدث، حدث، ولم يكن قدراً محتوماً، ومن ثم فإن فرض الإرادة العربية وتحقيق المصالح الحيوية ليس مستحيلاً أو ضرباً من الخيال، بل هو عمل في متناول القائمين على القرار العربي - إذا كانوا يمتلكون قرارهم المستقل - ينبغي عليهم انجازه لحماية مستقبل الأمن العربي بعد استيعاب الدرس ووضوح الرؤية الاستراتيجية.
وختاماً يقول تعالى في كتابه العزيز:
" إن الله لا يغير ما بقوم حتى يغيروا ما بانفسهم ".
























