شبكة نوى، فلسطينيات
اليوم السبت 19 سبتمبر 2026م18:02 بتوقيت القدس

الإعلام والحرب: انتصار البروباغندا وأفول الصحافة

10 يونيو 2015 - 13:54
شبكة نوى، فلسطينيات:

دراسة وبحث للصحافي / محمد عمر

في الرابع من أيلول عام 2014، أعلن الرئيس الأميركي باراك اوباما عزمه تشكيل تحالف دولي لصد «تنظيم الدولة الإسلامية»، المعروف بـ«داعش». وفي 26 آذار الماضي، أعلنت المملكة العربية السعودية عن بدء ما أسمته «عاصفة الحزم»  بتحالف أكثر من عشر دول لـ«دعم الشرعية في اليمن».

وقد شارك الأردن في هذين التحالفين عسكريًا، ليدخل البلد في غضون أقل من عام حربين تدوران خارج حدوده.

تسعى هذه المقالة إلى التعرف على نوعية التغطية التي حظيت بها المشاركة الأردنية في هذين التحالفين، أو الحربين، وإلى التعرف على اتجاهات الصحافة المحلية من الحربين من خلال هذه التغطية.

تغطية الحروب تحدٍّ جديد للصحافة المحلية

شكلت تغطية المشاركة في هاتين الحربين «تحديًا» جديا لوسائل الإعلام المحلية وذلك لعدة أسباب:

أولا: لأنها أول مشاركة عسكرية أردنية مباشرة في حرب منذ 42 عامًا، أي منذ آخر مشاركة له في حرب تشرين 1973 ضد إسرائيل، أو على الأقل، أول مشاركة معلنة. ولأن هذين التحالفين يحاربان ضد أطراف عربية، أو في دول عربية.

ثانيًا: لأنهما حربان تخاضان ضد «تنظيمات» أو «ميلشيات»، لا دول، خاصة في حالة اليمن، بما يعنيه ذلك من تأثير على المدنيين في مناطق النزاع، و أو المخاطر التي قد ترتد على الأردن.

ثالثًا: لأنهما تُخاضان، أساسًا، عبر القصف الجوي، وباستخدام المقاتلات بطيار أو بدون طيار، مما يثير نقاشًا حول مدى «أخلاقية» و«شرعية» هذا النوع من القصف أو الحروب.

رابعا: لأنهما حربان تدوران خارج حدود الأردن، وما استتبع ذلك، من نقاشات حول «مصلحة» الأردن من المشاركة فيهما، وتحديدًا النقاش الذي سبق أو تزامن مع «الكشف» عن مشاركة الأردن في التحالف الدولي ضد «داعش».

من التعدد إلى «صناعة الإجماع»

يمكن تحديد أربع مراحل لتغطية وسائل الإعلام المحلية لمشاركة الأردن في هاتين الحربين:

أولًا: مرحلة ما قبل الحربين

تمتد هذه المرحلة، خصوصًا فيما يتعلق بالتحالف الدولي ضد «داعش»، إلى عدة سنوات خلت. لكننا ولاعتبارات تتعلق بمنهجية الرصد، ونوعية وكمية التغطية، سنتناول الفترة من حزيران عام 2014 حتى الآن، أي منذ إعلان هذا التنظيم عن قيام «دولة الخلافة الإسلامية» في العراق وسوريا، وتمدده السريع في أجزاء واسعة من هاتين الدولتين.

أما في حالة الحرب في اليمن، فسوف تمتد الفترة منذ إعلان السعودية عن «تحالف عاصفة الحزم» في 26 آذار العام الحالي، وحتى الآن.

تكشف عملية رصد التغطية الإعلامية لما قبل مشاركة الأردن في التحالفين عن أن وسائل الإعلام كانت «غائبة» أو «مغيبة» عن قرار المشاركة. لا بل يمكن القول أنها تفاجأت بقرار المشاركة في التحالفين، وكانت مفاجأة وسائل الإعلام لا تقل عن مفاجأة الحكومة نفسها، وخاصة رئيس وزرائها عبدالله النسور، بقرار المشاركة، وتحديدا فيما يتعلق بالتحالف ضد «داعش»، كما سنرى لاحقا.

والحال أن «القرار المفاجئ» بالمشاركة في التحالفين عكس نفسه على التغطية الإعلامية ما قبل الحربين، التي بقيت، في حالة التحالف الدولي ضد «داعش»، تتسم إلى حد بعيد بـ«التنوع» و «التعددية»، عكست خلالها تعدد آراء الجهات الرسمية، من جهة، ومن جهة أخرى، آراء قطاعات شعبية واسعة، كانت ترى في المشاركة في الحرب ضد «داعش»، على الأقل، حربًا «ليست حربنا»، كما عبرت عن ذلك عدة مسيرات جرت في بعض محافظات البلد، أو تصريحات وبيانات فعاليات حزبية ونيابية. غطت الصحافة هذه الفعاليات بدون أي تحفظ أو حتى محاولة تدخل من قبل الحكومة أو الأجهزة الأمنية لمنع أو الحد من هذه التغطية أو تأطيرها.

وما كان لهذا «التنوع» و«التعدد» في التغطية الإعلامية أن يتم «ضبطه» و«تأطيره»، سواء من قبل الأجهزة التنفيذية أو من قبل الصحفيين أنفسهم، حتى قيام «داعش» بإعدام الطيار الكساسبة، حيث شهدت التغطية تحولًا نوعيًا، صارت فيه الحرب ضد هذا التنظيم «واجبًا» وطنيًا، وانتقلت فيه التغطية من «إعلام الحرب»  إلى «الحرب الإعلامية».

أما في حالة التغطية لما قبل «تحالف عاصفة الحزم»، فالأمر لم يكن أقل تشابهًا، إذ لم تقم وسائل الإعلام بتقصي مشاركة الأردن في هذا التحالف قبل الإعلان عنه، وربما بعد الإعلان أيضًا، ذلك أن قرار تشكيل التحالف، ومن ثم قرار مشاركة الأردن فيه شكّل أيضًا مفاجأة للجميع.

لكن ما إن أعلنت السعودية عن التحالف، وأعلن «مصدر مسؤول» لوكالة بترا، عن «مشاركة الأردن في تحالف دعم الشرعية في اليمن»، الخبر الذي نشرته صحف 26 آذار، حتى تنكبت وسائل الإعلام السلاح وذهبت للحرب.

وهكذا سنرى أن الإعلان الذي فاجأ الجميع بالمشاركة في الحربين، لم «يسمح» لوسائل الإعلام أن «تلعب دورًا» في إعداد الرأي العام لهاتين الحربين، وتحديدًا من خلال اتباع استراتيجية «التخويف» من شر «داعش» و«الحوثيين»، وبأنهما تشكلان خطرًا على البلد.

وقد يبدو ذلك، أي عدم اهتمام صانع القرار بإعداد الرأي العام للمشاركة في الحرب، من حسن حظ وسائل الإعلام والصحافة، إذ أن هذا الأمر جنب هذه الوسائل، حينذاك، أن تستخدم كأداة في الحرب، وتتحول إلى «الدعاية»، ما أبقاها محافظة إلى درجة كبيرة على «مهمتها» الأساسية المتمثلة في إخبار أو إعلام الجمهور بما يجري حوله.

هذا لا يعني أن الصحافة كانت غائبة نهائيًا عن تهيئة الأجواء للمشاركة، أو أنها لم تساهم في تصنيع صورة «العدو» وتشريره. فقد كانت التغطية، وخاصة للممارسات الوحشية لتنظيم «داعش» كثيفة جدًا، لكنها بقيت متنوعة، لدرجة أن الكثير من وسائل الإعلام، كانت تستخدم ما يبثه التنظيم نفسه عن نفسه وعن ممارسته، فـ«داعش» وخلافًا لأي كيان سياسي آخر، لم يقصّر في تصوير «وحشيته»، ربما بدافع إلقاء الرعب في قلوب خصومه أو بدافع رفع الروح المعنوية لمناصريه أو جلب المزيد من المؤيدين له.

وقد بقي الحال كذلك حتى صدور قرار النائب العام في 25 كانون أول الماضي، بـ«حظر نشر أي أخبار أو صور يبثها تنظيم الدولة الاسلامية «داعش» الإرهابي تسيء للطيار الأردني معاذ الكساسبة.

لا بد من الإشارة هنا إلى أن تغطية صحيفة «السبيل» تحديدًا، كانت تتجنب إلى حد كبير تصنيع صورة شريرة  لـ«داعش» بوصفه «عدوًا»، لا بل أنها تعاملت بنوع من «الحيادية» أو حتى أحيانًا «التعاطف» مع «داعش» من خلال رسم صورة مغايرة. فقد بثت «السبيل» وحدها جميع الفيديوهات التي أنتجها الصحفي البريطاني جون كانتلي، الرهينة لدى التنظيم، عن «الحياة في ظل الدولة الإسلامية». وربما تنسجم تغطية «السبيل» هذه مع موقف «جماعة الإخوان المسلمين»، الناطقة باسمهم.

الحال نفسه جرى مع «الحوثيين» في اليمن، إذ في حين أن وسائل الإعلام لم تلعب دورًا في تهيئة الرأي العام للحرب، لم تخلو التغطية من «تشرير» الحوثيين، والتخويف أو التحذير من «خطر التغلغل الإيراني في المنطقة».

لكن كل ذلك جرى في ظل تنوع في التغطية من حيث المصادر، وإن كانت التغطية للصراع في اليمن اعتمدت بشكل كلي على وكالات الأنباء الأجنبية وأحيانًا العربية، وفي ظل تعدد في الآراء. لا بل أن الكثير من كتاب الافتتاحيات طالبوا بتحسين علاقات الأردن بإيران، بالتزامن مع زيارة وزير الخارجية لطهران، (صحف 6 اذار)، ودعوته لحوار عربي إيراني، أي قبل إعلان الحرب بتسعة عشر يومًا. وقد أولت الصحافة إجمالًا اهتمامًا كبيرًا لزيارة جودة «المفاجئة» وربما بالغ البعض في التفاؤل في تحسن العلاقات أو نجاح الدعوة للحوار، ما حمل الوزير نفسه إلى الرد على هذه «المبالغات» رافضًا أن توصف  هذه الزيارة بـ«الانفتاح أو التقارب» مع تأكيده على «استمرار التواصل».

إجمالًا، بقيت التغطية للـ«صراع» في اليمن، ما قبل إعلان التحالف، لا تخرج، لا من حيث الافتتاحيات ولا من حيث القيم الاخبارية عن «طبيعة» التغطية الإعلامية المحلية لأي تطورات مشابهة في بلدان عربية بعيدة نسبيًا عن الأردن، التي تتسم عمومًا بالاعتماد على المصادر الخارجية في الأخبار، أو متابعة شؤون الأردنيين المغتربين في هذه الدول، أو في تعدد وتنوع آراء الكتاب من هذه التطورات.

الخط الزمني التالي يوضح أهم الأحداث المتعلقة بالحرب على «داعش» وتعامل الإعلام معها

ثانيًا: المشاركة في التحالف الدولي ضد «داعش»

في 8 أيلول الماضي، أعلنت قمة «حلف الناتو»، المنعقدة في جنوب ويلز/ بريطانيا، بمشاركة 50 دولة، تشكيل تحالف دولي لمحاربة «تنظيم الدولة الإسلامية»، داعش، وكان الملك عبد الله الثاني مشاركًا في القمة. وكان وزير الخارجية ناصر جودة مشاركًا في اجتماع لـ«مكافحة الإرهاب» في جدة في العربية السعودية، ولاحقًا في اجتماع وزراء الخارجية العرب في القاهرة، مؤكدًا مشاركة الأردن في «الحرب على الإرهاب والتطرف».

في ذلك اليوم نفسه، كان رئيس الوزراء عبد الله النسور يؤكد خلال محاضرة في عمان بأن الأردن لن يشارك في هذا التحالف و«لن يخوض حرب غيره»، وكذلك فعل الوزير خالد الكلالدة.

كما كان ثمانية نواب بدأوا في جمع تواقيع على «مذكرة أو مبادرة» بعنوان «ليست حربنا»، تطالب بعدم الانضمام للتحالف، وأعلنت عدة أحزاب اهمها، حزب جبهة العمل الإسلامي، وجماعة الاخوان المسلمين، وبعض الحراكات العشائرية، بأنها «ليست حربنا».

هذه التطورات تدلل على أمرين، أولًا: «الارتباك» أو «الضبابية» في الموقف الرسمي، بحسب وصف تقرير لموقع «أيلة نيوز». وثانيًا: تعدد أو اختلاف آراء الشارع، وربما حتى المسؤولين، حول المشاركة في التحالف ضد «داعش».

«الارتباك» و «الاختلاف» هذان سمحا لوسائل الإعلام بتغطية متعددة ومتنوعة. وقد حظيت تصريحات النسور باهتمام ملحوظ، ونقلت أقواله جميع وسائل الإعلام واحتلت عند بعض الصحف عناوين الصفحة الاولى.

كذلك نقلت وسائل الإعلام جميع بيانات الأحزاب والفعاليات وأنشطتها، مثل المسيرات المناوئة للحرب، ونشاط نواب «مبادرة ليست حربنا»، باهتمام.

هذا التنوع والتعدد والنقاش الحيوي الذي شهده المجتمع الأردني، مع بداية تشكيل التحالف، وعكسته التغطية الإعلامية، سيختفي لاحقًا، ولعدة أسباب، كما سنرى، بعد إعدام الطيار الكساسبة، وخلال المشاركة في «عاصفة الحزم».

وعلى أي حال، فإن الأردن، وحتى تلك اللحظة لم يكن قد أعلن رسميًا مشاركته في التحالف ضد «داعش»، بل فرض أو مرر قرار المشاركة بدون تصريح رسمي من مصدر مسؤول يعلن فيه المشاركة، خلافًا للإعلان الصريح والواضح والسريع للمشاركة إلى جانب السعودية في التحالف ضد الحوثيين.

لكن الاختلاف في الآراء في الشارع والارتباك في الموقف الرسمي، الذي سمح لوسائل الإعلام أن تحافظ على تغطية «موضوعية» ومتوازنة، لجميع هذه الآراء، لم يترافق مع بحث حقيقي لهذه الصحافة في ما وراء الخبر، أي بمعنى التحقق وتقديم المعلومات الدقيقة والواضحة وتجنيب الجمهور حالة التشويش وعدم الوضوح واكتفت الصحافة بعكس النقاش أو بنقل الاخبار عن مصادر ووكالات أجنبية، كما هو الحال مع «قمة الناتو»، أو بشكل روتيني بروتوكولي، فيما يتعلق بمشاركة الملك في القمة وتصريحات وزير الخارجية.

لن يكون الحال كذلك مع الصحفيين الأردنيين المراسلين للصحافة العربية، فهؤلاء لن يكتفوا بنقل تصريحات النسور أو الكلالدة كما هي، ولن يكتفوا بتأكيد «عدم مشاركة الأردن في حروب الغير»، إذ أنهم سوف يمضون خطوة أبعد من مجرد نقل التصريحات باتجاه استجلاء حقيقة الموقف الرسمي، أو من بيده قرار الحرب فعلًا. وهو ما فعله مثلًا محمد فضيلات في تقريره لصحيفة «العربي الجديد»، وبسام بدارين في تقريره لصحيفة «القدس العربي» الذين نشرا في اليوم نفسه، 8 ايلول، تقارير من عمان تشكك في «دقة» تصريحات النسور والكلالدة وتنقل عن مسؤولين «مجهولي الاسم» تأكيدهم مشاركة الأردن.

على أن الخبر «اليقين»، حول قرار المشاركة في التحالف الدولي ضد «داعش» كان قد اتخذ حتى قبل انعقاد قمة «الناتو» وقبل تصريحات أوباما، وكان لدى صحيفة «المجد» الأسبوعية، التي خرجت عن «نمطية» هذه التغطية، في نقل تصريحات المسؤولين، دون مزيد من «التدقيق» أو التمحيص في خفايا الموقف قصب السبق في الكشف عن المشاركة، إذ انفردت «المجد»، 8 أيلول، بنشر تقرير مطول، أكدت فيه على لسان مصادر وصفتها بالمطلعة أن الأردن قرر المشاركة في الحرب ضد «داعش» ضمن تحالف دولي.

وأكدت «المجد» وفقًا لما وصفته بـ«مصادر مطلعة» أن «الملك… اجتمع مع قادة سائر التشكيلات العسكرية، قبيل سفره مصحوبًا برئيس الأركان إلى بريطانيا…، وطلب منهم الاستعداد لنشاط عسكري وشيك في مواجهة تنظيم داعش الإرهابي الذي يحتل مساحات واسعة من الأراضي العراقية».

لكن تقرير «المجد» هذا، أو بالأحرى «انفرادها»، الذي ستؤكد التطورات اللاحقة دقته لم يحظ بأي اهتمام جدي لدى الصحف وبقية وسائل الإعلام، التي استمرّت في تغطية أخبار التحالف نقلًا عن وكالات الأنباء العالمية، مركزة على جولة وزير الخارجية الأميركي للمنطقة في حينه، لإقناع الدول العربية المشاركة في التحالف.

لقد تم تمرير مشاركة الأردن في التحالف الدولي ضد «داعش» كأمر واقع، إذ لم نقرأ في الصحف أو نسمع أي تصريح علني يقول أو يؤكد المشاركة، ولم تسع أي من وسائل الإعلام إلى استجواب أو الحصول على أي تصريح كهذا. بيد أن ما هو أبعد من عدم تغطية أو تناول قرار المشاركة كان في دور وحجم مشاركة الأردن في هذا التحالف.

هنا أيضًا لم تسع التغطية الإعلامية إلى تقصي دور وحجم المشاركة وحتى الأعباء المالية التي يتحملها الأردن، وبقي المواطن يعتمد في ذلك على تسريبات أو تقارير صحف عربية واجنبية، مثل تقرير صحيفة «العربي الجديد»، 2 تشرين الاول، الذي لاحظ شح المعلومات بهذا الصدد إذ يقول :«أن الكلفة المالية للغارات التي يشنّها سلاح الطيران الأردني، ضمن التحالف الدولي، على أهداف (داعش)، تحاط بسريّة مطلقة، وهي الكلفة التي وصفها خبراء عسكريون بـ«الباهظة»، ويصعب تحديدها مع شحّ المعلومات حول نوع الطائرات المشاركة والمسافة التي تقطعها والأسلحة التي تستخدمها».

وسيبقى حجم المشاركة «سرًا» بدون متابعة، حتى بعد قيام تنظيم «داعش» بنشر «تفاصيل» المشاركة على لسان الطيار الكساسبة في المقابلة التي سبقت اغتياله، ونشرها التنظيم في مجلته «دابق» في كانون الأول الماضي.

هذا الأمر سينطبق كذلك على حجم مشاركة الأردن في عاصفة الحزم، الذي لن تطلعنا وسائل الإعلام المحلية عليه، فيما طالعناه على موقع العربية، 10 آذار، إذ نشرت تقريرًا يتحدث عن مشاركة الأردن بتسع مقاتلات حربية.

مع الأخذ بالاعتبار دور الصحافة في البحث وتقصي الحقائق والمعلومات وتدقيقها ونشرها، كمهمة أساسية لها، لكن لا يمكن تحميل الصحافة ووسائل الإعلام مسؤولية «شح المعلومات» و«ارتباك» الرواية الرسمية التي لاحظناها أو تحدث عنها تقرير للـ«العربي الجديد» وتقرير غادة الشيخ في «الغد» 30 أيلول، وجورج حواتمة في مقال له على موقع «صحفي»، وآخرين، إذ أن الجهات المسؤولة، وخاصة القوات المسلحة الأردنية تكتمت تمامًا حول المشاركة وحجمها، ولم تعمد إلى انتهاج أسلوب القوات السعودية أو الاميركية، مثلًا، في عقد مؤتمرات صحفية، أو في إصدار بيان يومي لنشاطاتها في التحالفين.

ستتخلى القوات المسلحة، لوقت قصير، عن تكتمها، وستعمد في 26 تشرين الثاني الماضي إلى تعيين ناطق رسمي باسمها، لأول مرة منذ تشكيل الجيش، هو العقيد ممدوح العامري، بحسب خبر خاص بـ«الغد» في 26 تشرين الثاني.

ويبدو أن تعيين ناطق رسمي للقوات المسلحة أتى بعد تدفق كبير للمعلومات، ليس حول مشاركة الأردن في التحالف الدولي، بل حول حجم القوات الأجنبية، التي أرسلت إلى الأردن للمشاركة في التحالف، خاصة الأنباء حول عدد المقاتلات الفرنسية التي أرسلتها باريس إلى الأردن، وقبلها الأنباء المتضاربة حول عدد الجنود الأميركيين الذين أرسلوا للأردن.

ويبدو أن القوات المسلحة وعت أهمية «تأطير» التغطية الإعلامية، أو على الأقل، عرض وجهة النظر الرسمية التي بقيت في الظل، وكان من الصعوبة بمكان أن تحصل الصحافة على أي معلومات أو ردود رسمية.

وجاء في خبر بزاوية «زواريب» في «الغد»، 27 تشرين الثاني أن «القوات المسلحة تعتزم تفعيل دور الناطق الرسمي باسمها في المرحلة المقبلة. رئيس هيئة الأركان المشتركة قرر أخيرًا تعيين العقيد ممدوح العامري مديرًا للتوجيه المعنوي وناطقًا رسميًا باسم القوات المسلحة». ومع ذلك فقد بقيت القوات المسلحة تتكتم حول المعلومات، ولم يزد عدد التصريحات والبيانات المتعلقة بالمشاركة في التحالف، التي صدرت عن العقيد العامري على أربع تصريحات، ولن يصدر عنه أي بيان أو تصريح حول مشاركة الأردن في «عاصفة الحزم».

في المجمل، اتسمت التغطية الإعلامية للتحالف الدولي ضد «داعش»، والمشاركة الأردنية، في هذه المرحلة، بأنها كانت كثيفة جدًا، متعددة المصادر، بما في ذلك، الاعتماد على مصادر «داعش» نفسه. كل ذلك في ظل شح المعلومات الرسمية، التي لم يغير عليها تعيين ناطق رسمي للقوات المسلحة أو مؤتمرات وتصريحات الناطق باسم الحكومة شيئًا، وبقيت وسائل الإعلام المحلية تعتمد على الوكالات الأجنبية في تغطية المشاركة. كذلك بقيت التغطية متنوعة في «الرأي»، بين معارضين للمشاركة ومؤيدين لها.

ثالثًا: فرض الصمت: مرحلة ما بعد أسر وإعدام الطيار معاذ الكساسبة

في الرابع والعشرين من كانون الأول الماضي، أعلن تنظيم الدولة الإسلامية «داعش» عن إسقاط مقاتلة أردنية فوق محافظة الرقة السورية وأسر طيارها.

كان من «الطبيعي» أن يصور «داعش» إسقاط المقاتلة الحديثة كعمل خارق ونصر مبين، ويبالغ في خوض حربه الإعلامية النفسية، من خلال سيل من الصور والتعليقات والأخبار، من جهة، والتكتم حول مصير الطيار الكساسبة ومكان وجوده من جهة أخرى.

في المقابل، شكل إسقاط المقاتلة نوع من «الصدمة» لوسائل الإعلام، وربما لقيادة التحالف نفسها، ولقد انشغلت وسائل الإعلام في حينها بـ«كيفية» إسقاط أو سقوط المقاتلة أكثر من مصير الطيار الكساسبة.

وفي يوم إسقاط الطائرة والأيام الأولى التالية ركزت وسائل الإعلام، مستفيدة من تصريحات «مصدر مسؤول في القوات المسلحة»، وتصريحات التحالف الدولي، على نفي «فرضية الإسقاط»، ونشرت بعض الصحف، مثل السبيل 25 كانون الاول، «سيناريوهات» لسقوط الطائرة، وليس إسقاطها.

وبدا أن وسائل الإعلام دخلت في «حرب نفسية إعلامية» مضادة لحرب «داعش» الإعلامية، من جهة، ومن جهة أخرى، استمرت بنشر أخبار وتقارير متضاربة حول أسر الطيار وإسقاط طائرته، بما في ذلك النقل عن المواقع الموالية لتنظيم «داعش»، وكل ذلك في ظل ارتباك واضح أو نقص في المعلومات الرسمية.

يرى أستاذ التشريعات الإعلامية في معهد الإعلام الأردني صخر الخصاونة، أن «التغطية الإعلامية المتعلقة بقضية اختطاف الطيار الأردني، خاصة في أول ثلاثة أيام لم تعتمد على مصادر موثوقة، وكانت جميع المصادر مجهولة، خاصة في الأخبار التي تتضمن مفاوضات أو جهودًا حكومية، ويرجع السبب إلى صدمة الإعلام الرسمي من الخبر وتأخر الإعلان الرسمي وسرعة تداول الأخبار على مواقع التواصل الاجتماعي والمواقع الإلكترونية»، بحسب صحيفة القدس العربي، 14 كانون الثاني.

ويرى الصحفي نبيل غيشان أن :«إعلام الدولة ارتبك كما أن أدواته الإعلامية معطلة، فقضية اختطاف الطيار ليست بالأمر السهل. كانت صدمة لجميع الأردنيين وبدأوا بالتركيز على التجييش ضد «داعش» ورفع التعاطف مع أهل الطيار، لكن بالنهاية عليها أن تتعامل بمهنية أكبر».

وخلافًا لوسائل الإعلام التقليدية، من صحف وفضائيات، التي ستبقى ملتزمة بشكل كبير بالتصريحات الرسمية، ومتحفظة إجمالًا، فقد تسابقت المواقع الإلكترونية، في تغطية المفاوضات مع تنظيم «داعش»، ونقلت أخبارًا وتصريحات متضاربة من مصادر عدة، حول «صفقة» الإفراج عن الرهينة الياباني ومعاذ مقابل سجناء «القاعدة» في الأردن، أو في نقل صور واخبار من مواقع «داعش»، لتسحب المواقع لاحقًا ستسحب المواقع كل صور معاذ التي بثها التنظيم، بعد قرار النائب العام بحظر النشر.

لكن الحكومة، ممثلة بهيئة المرئي والمسموع، والقوات المسلحة والنائب العام سوف «تضيق» بهذه التغطية، وخصوصًا تغطية المواقع، وتبدأ هجومًا مضادًا بهدف «ضبط» الإعلام ومنعه من نقل كل ما يخالف الرواية الرسمية، وخاصة النقل عن مواقع التنظيم.

وستبدأ الأجهزة التنفيذية «هجومها» هذا بحجب موقع «الكون نيوز» ، إذ جاء في خب

كاريكاتـــــير