بيت لحم- نوى- أسيل صبحي عيد
الصمت لم يعد يجدِ نفعًا لدى لاجئات فلسطينيات من مخيمي عايدة والعزة، شمال بيت لحم، خاصة أنهن يتحملن مسؤولية أطفال من ذوي الاحتياجات الخاصة، في ظروف حياتية وإنسانية فقيرة وصعبة، فابتكرن مشروعا صغيرا باسم "نور للنساء القويات" لمساعدة أنفسهن، وإسعاد أطفالهن، دون الحاجة إلى مجتمع يظلم، ومؤسسات خاصة تشترط.
تقول إسلام جميل إحدى مؤسسات المشروع إن الفكرة بدأت مع متطوعة أجنبية في مخيم عايدة، عرضت عليهن المساعدة في بناء مشروع خاص لسد احتياجاتهن ومساعدة أطفالهن، ومن بين الأفكار المطروحة كانت دروس الطبخ، الأكثر حاجة.
تقوم فكرة المشروع على إعطاء دروس الطبخ للأجانب والزوار وإطعامهم مقابل مبلغ صغير من المال، وفي حالات اخرى السماح للراغبين من الزوار بالمبيت لبضعة أيام؛ بهدف تعريفهم على المخيم وطبيعة الحياة الصعبة فيه. تضيف اسلام: "لم يكن أملي كبيرا في نجاح المشروع، ومع ذلك قررنا أن نبدأ التجربة لمساعدة أطفالنا. ولعدم توفر المال والمكان المناسب، كانت الدروس تتم في منزلي رغم صغر المساحة وتقييد عائلتي بحرية الحركة فيه".
اتفقت المجموعة على اعتماد اسم "نور للنساء القويات" للمشروع الذي بدأ تنفيذه فعليا في أواخر عام 2010، واستوحي الاسم من حقيقة إخراجهن لأطفالهن من الظلام الذي اعتادوا العيش فيه داخل منازلهم بالمخيم إلى نور الحياة.
عن المشاكل التي واجهتها المجموعة، أوضحت إسلام أن المشروع واجه مصاعب اقتصادية واجتماعية كثيرة، فلم يتقبل أهالي المخيم الفكرة بالبداية وواجهن العديد من الانتقادات، كما رفض العديد من المسؤولين مساعدتهن بحجة عدم وجود ترخيص، بل وتكررت نصائح بعضهم لها بوضع ابنها الذي يعاني من شلل دماغي بمصحة خاصة للتخلص من ما اعتقدوا أنه عبء على كاهلها!
تقول اسلام: "بدأنا بثلاث نساء ثم خمسة فسبعة، والآن نحن 13 سيدة من أمهات ذوي الاحتياجات الخاصة والنساء المعيلات الوحيدات لأسرهن." تضيف: "كانت لغة التواصل مشكلة اخرى واجهناها، إذ لم نكن ولا زلنا لا نتقن اللغة الانجليزية، فكنا بمساعدة المتطوعات الاجانب والزوار نتلقى دروسا في اللغة." وتكمل ضاحكة: "كنت أخطا ببعض الكلمات، فأقول مثلا أثناء الدرس نضع الـ "كتشن" بدلا من "تشكن"، فيضحكون وأضحك بعد أن يشرحوا لي خربشتي."
لم تكتفِ الأمهات بتسخير العائدات في تلبية الاحتياجات البسيطة لأبنائهن من ذوي الاحتياجات الخاصة، بل؛ استطعن بعد فترة بالتكفل بتعليم 4 من ذوي الاحتياجات الخاصة في مدارس مختصة، فلم يكن قادرات على دفع تكاليفها الباهظة.
تستذكر زوجة الشهيد أبو عودة رانية جمال أول رحلة قامت بها للمجموعة، فتقول: "بعد سنة من المشاركة الطوعية وجمع العائدات لأجل ذوي الاحتياجات الخاصة في المخيم، استطعنا ترتيب رحلة لـ 100 شخص من ذوي الاحتياجات الخاصة وأسرهم لإحدى المناطق في الضفة الغربية."
وعن تطور المشروع تقول: :"كنا نشجع بعضنا ونكرر أننا يجب أن نجتهد لنجد ثمار جهدنا فيما بعد، وتطور المشروع رويدا رويدا" وتكمل:" بعد فترة من الزمن استطعنا أنتاج كتيب للطبخ بمساعدة المتطوعات الأجانب ومنهم ساندرا صاحبة الفكرة، ونشرنا الدروس على مدونة الكترونية."
من جانبها، تقول المتطوعة الأجنبية أدايا ماراديس: "تعرفت على المشروع بعد شهرين من تطوعي في وكالة الغوث أثناء درس من دروس الطبخ في المخيم." وبعد ثلاث سنوات من التطوع معهن، تقول: "إن هذه التجربة تركت أثرا كبيرا في نفسي وساعدتني على فهم الأشياء بطريق أفضل، أنا فعلا سعيدة جدا بكوني جزءا من هذا التغيير الذي يصنعونه."
ولم يقف المشروع عند حدود مطبخهن، أحد أفراد العائلة تطوع بمنزله؛ لإعطاء دروس الطبخ بعد انتقاله مع عائلته لمنزل اخر، كما قاموا أيضا بتسخير ساعة من الزمن لتعريف الزوار على المخيم وطبيعة الحياة فيه، وذلك عن طريق جولة يقوم بها أحد الأشخاص المُتقّن للغة الانجليزية.
يقول أحد المرشدين في الجولات حمدان جعيوي: "تهدف الجولة لإظهار الواقع وتعريف الأجانب عن كيفية حياة اللاجئين في المخيم، وتتضمن شرح عن تاريخ وبنية المخيم، والمعاناة اليومية واللحظية، بالإضافة لتعريفهم على ثقافة واحتياجات المخيم ونسبة ذوي الاحتياجات الخاصة بشكل عام" ويكمل: "تستغرق الجولة مدة ساعة ثم يذهب الزوار لدرس الطبخ، وتوظف العائدات لخدمة ذوي الاحتياجات الخاصة."
*التقرير نُشِر في صحيفة "الحال"، ويُعاد نشره في شبكة "نوى"، بالاتفاق مع الصحفية اسيل صبحي عيد. " ونوى" لا تتحمل المسؤولية.
























